الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026|9 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

كانت ''الاقتصادية'' قد نشرت على صدر صفحتها الأولى يوم الخميس الماضي تحت عنوان (غرفة جدة معلقة على دراسة ''الفساد'': الوسطاء هم السبب)، حيث قال مسؤولون في الغرفة إن الدراسة التي ذكرت أن نحو 68 في المائة من قطاع المستثمرين ينجزون أعمالهم عبر الفساد، وإن دور الغرف التجارية هو مساعدة التجار على أن يكون عملهم فيه قدر كبير من الشفافية، مشيرين إلى أن غرفة جدة انتهجت استخدام التقنية والميكنة للقضاء على أي نوع من الاعتماد على هؤلاء الوسطاء الذين يطلبون مقابلا لإنجاز المعاملات.

والواقع أن هذا التعليق أشبه بقول الشاعر: (كأننا والماء من حولنا ... قوم جلوس من حولهم ماء!)، أي أنه مجرد تفسير للماء - بعد الجهد - بالماء، فـ ''التقنية والميكنة'' التي تعتمد عليها الغرفة أو سواها لا تعمل من تلقاء ذاتها، فحتما هناك موظفون مسؤولون عنها يتولون إدخال البيانات والمعلومات وتعبئة النماذج والطلبات، وما إلى ذلك.. وطالما أن هؤلاء قوى ''بشرية'' عاملة، فهناك مسارب تجعل التقنية نفسها والميكنة ذاتها تعمل لهوى الوسطاء ومن لف لفهم، وبالتالي لا تصبح مرافعة غرفة جدة، على أهميتها في توضيح الواضح والإعلام بالمعلوم شافية في مسألة قطع الطريق على كارثة نسبة 68 في المائة من مستثمرين استمرأوا التحايل والفساد والرشوة، إلى الحد الذي جعل هيئة مكافحة الفساد تستيقظ، كي تتحرى بعدما انكشف المستور، وعساها تفعل!

إن غرفة جدة بالتأكيد تسعى إلى أن يكون فضاء المعاملات نظيفاً، لكن النيات الطيبة أو الحسنة تظل غير كافية، بل قد تكون بمثابة حاجز صد عن معرفة التفاصيل، والشيطان، كما يقال، يكمن في التفاصيل، إذ ليس السجال هنا ما إذا كانت غرفة جدة لديها تقنية وميكنة، لأن التقنية والميكنة موجودة في كل الجهات، لكننا كم نجد من يقول لنا ''الجهاز عطلان'' أو ''النظام متوقف''، وهي أحيانا أمارات لكسول لا يريد أن ينجز مهام عمله، وأحيانا أخرى من قبيل الرغبة في الإكرامية تقال على طريقة: (اللبيب بالإشارة يفهم!).

حتما نحن لا نغمز ولا نلمز ذمة العاملين على أجهزة التقنية والميكنة، لكنه من غير المقبول أن تصدق غرفة جدة أو غيرها في أن التقنية والميكنة يمكن اعتمادها حجة دامغة على أن الفساد لا ينفذ من خلالها، فهي ليست سوى أدوات محايدة تطعمنا شرا إن أطعمناها شرا، وتطعمنا خيرا إن أطعمناها خيرا.. وفضائح المواقع الإلكترونية لا حرج في الحديث عنها، ولعل أقربها وأشهرها عاصفة ويكليكس.. فهناك دائما من لا يصطاد فقط في الماء العكر، إنما يعكر الماء ليصطاد فيه!

إن المسألة ليست فيما إذا كانت تلك الدراسة تمس هذه الجهة أو تلك، بل كيف تأتى لهذه النسبة العالية من الاستثمار الفاسد أن تعربد في بيئة أعمالنا ولم تتنبه لها، لا غرفة جدة ولا غيرها من الغرف الأخرى ومعها مجلس الغرف التجارية، بل لم يسبق لها أن تبرمت منها أو شكت أمرها للجهات المختصة، خصوصا والغرف ومجلسها معابر بطريقة أو أخرى لتراخيص وإجراءات واستثمارات عديدة بينها هذه النسبة العالية المؤسية! إن الأمنية، طالما حدث ما حدث، ووقعت الفأس في الرأس وقيل ما قد قيل، وتم التعليق عليه، هو لو أن الغرف التجارية ومجلسها كانت قد جندت نفسها لامتلاك حساسية ''مقياس ريختر'' فرصدت ما يمور من هزات مريبة في الخفاء ونبهت إليها بالصراحة والوضوح، كي تتخذ الجهات المختصة بشأنها ما تراه مناسبا من تحريات وعقوبات، وكي تكون هذه الغرف ومجلسها حارسا لشفافية كثرت الطنطنة حولها ولم نر سوى (حشف وسوء كيل)، فحراسة الغرف ومجلسها هي الضمانة لشفافية فضاء المال والأعمال من عبث العابثين حين تمحص مصادر التلوث والخطر فيه.. فالغرف ومجلسها يهمها بكل تأكيد أن تكون بيئة العمل تتمتع بالعافية ونزاهة الضمير وأجواء الثقة والأمانة، لأن ذلك هو ما يكفل لنشاطاتنا الاستثمارية مزيدا من التطور والازدهار، ويكفل في الوقت ذاته تزايد فرص الاستثمار الأجنبي وانجذابه لوطنن،ا لا أن يصل إلى مسامعه ما يرعبه من أن 68 في المائة من المستثمرين يدلقون مالا حراما (لتمشية أمورهم!).

نحن نقدر للغرفة التجارية في جدة تعليقها، وتحسسها من هذه النسبة المعيبة ونحسبه قد جاء من باب ذهولها مما جاء في دراسة مؤتمر الرياض الاقتصادي، وأفزعها من أن هذا الرقم المربك يشكل مؤشرا ثقيل الوطأة والسواد على مناخ الأعمال، وخشيتها من أن يلطخ أولئك العابثون سمعة مستثمرين صادقين مخلصين يجزعهم أن يتجرأ متطفلون على الاستثمار في مغافلة للقيم والمبادئ والأخلاق الفاضلة، وفي استهتار بحرمة القوانين والتشريعات والمؤسسات والهيئات النظامية التي لا تستهدف سوى خير عميم يأتي من عمل كريم.

إن نسبة 68 في المائة سواء مرت من خلال الوسطاء أو من خلال الميكنة والتقنية.. لا يفسرها تعليق غرفة جدة ولا سواه.. لأن ذلك سيكون، كما قلنا، تفسيرا للماء بعد الجهد بالماء.. بينما المطلوب بإلحاح وبكل صراحة الإجابة عن: كيف حدث هذا؟ ولماذا؟ ومتى؟ وأين؟ وممن؟ وهي أسئلة إلزامية لها صفة الأسئلة الإجبارية في ورقة الامتحان.. عدم الإجابة عنها.. رسوب محتم!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية