السبت, 5 سبتمبر 2026|22 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

غادر اثنان من الأعضاء التنفيذيين الستة في مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي فرانكفورت الشهر الماضي. فقد أعلن الألماني يورغن شتارك استقالته في أيلول (سبتمبر) بسبب شعوره بالمرارة، من وجهة نظره، لتخلي منطقة اليورو عن مبادئ الماليات العامة السليمة وعن سمة المحافظة على صعيد البنوك المركزية.

وغادر الإيطالي لورينزو بيني سماغي لأسباب مختلفة. فمع وصول ابن بلده ماريو دراغي في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) كرئيس للبنك المركزي الأوروبي، تقبّل الفكرة القائلة إن زيادة تمثيل إيطاليا في البنك ستسبّب امتعاضاً لا حدود له في باريس، وأفسح المجال أمام بينوا كيوري، نائب وزير الخزانة الفرنسية ليحل محله.

في مقابلة مع ''فاينانشيال تايمز'' في مكتبه الموجود في الطابق 34، الذي يطل على مشاهد في عاصمة ألمانيا المالية، يبدو لورينزو بيني سماغي محبطاً؛ لأنه سيترك مقعداً مهماً في صُنع السياسات في لحظة حاسمة كهذه بالنسبة لمنطقة اليورو.

في الشهر الماضي، خصّص البنك المركزي الأوروبي مبلغاً قياسياً قدره 489 مليار يورو يُقدَّم على شكل قروض خلال ثلاثة أعوام لبنوك منطقة اليورو، وهو حائطٌ من الأموال يأمل البنك في أن يخفّف التوترات الحادة في النظام المصرفي لمنطقة اليورو. لكن احتياجات البنوك والحكومات الكبيرة لإعادة التمويل ستجعل بضعة الأشهر الأولى من العام الحالي حاسمة بالنسبة لمنطقة اليورو.

يتمثل أحد الدروس التي تعلّمها بيني سماغي في أن صُناع السياسات في منطقة اليورو لا يمكنهم أن يختاروا عدم اتخاذ قرارات جريئة. ''قد لا يكون بعض هذه القرارات مثالياً، وقد يتعرّض للنقد، ولا سيما في ظل فائدة الإدراك المتأخر. لكن عدم اتخاذ القرارات، أو تأجيل اتخاذ القرارات ليس خياراً ويؤدي إلى أسوأ النتائج''. وينبغي لصانعي القرارات ألا ''يختبئوا خلف المحامين لكي يتجنبوا اتخاذ القرارات''.

إنها ملاحظة مختارة بعناية. ذلك أن البنك المركزي الألماني، ''بوندزبانك''، ويورغن شتارك، وهو نائب سابق لرئيس ''بوندزبانك''، يعارضان أي توسعة كبيرة لبرنامج البنك المركزي الأوروبي الخاص بشراء السندات الحكومية، في إشارة إلى الحظر القانوني المنصوص عليه في معاهدات الاتحاد الأوروبي على ''التمويل النقدي'' - قيام البنوك المركزية بتمويل الحكومات. لكن عديداً من الاقتصاديين والساسة الأوروبيين يعتقدون أن هذه الخطوة فقط ستؤمّن استقرار منطقة اليورو.

بصفته اقتصادياً درس في جامعة شيكاغو، كان بيني سماغي، 55 عاماً، واحداً من الشخصيات الفكرية، ذات الوزن الثقيل في البنك المركزي الأوروبي، ويشارك من كثب في رسم ردود البنك على الأزمات العالمية التي وقعت في الأعوام الأربعة الماضية. يتسم أسلوبه بالواقعية بشكل واضح.. فهو يشير إلى أن التفويض الممنوح للبنك المركزي الأوروبي يتمثل في تنفيذ سياسة نقدية موحدة في منطقة اليورو التي تضم 17 بلداً، وأن أسواق السندات الحكومية ''تلعب دوراً رئيساً'' في نقل قراراته الخاصة، بمعدلات الفائدة إلى الاقتصاد الحقيقي.

ينبغي للبنوك المركزية أن ''تستخدم الغموض البناء قدر الإمكان'' – إبقاء الأسواق تخمن بشأن ما يمكن أن تقوم به. لكن بيني سماغي لا يستبعد قيام البنك المركزي الأوروبي، بإعلان حدود للعوائد أو تحديد الفرق بين العائد على سندات الحكومة الألمانية وسندات الحكومات الأخرى.

يقول إن التوترات الحالية التي تشهدها الأسواق، ''قد تثير بعض الشكوك حول إذا ما كانت لدينا بالفعل سياسة نقدية موحدة في منطقة اليورو اليوم، وإذا ما كان البنك المركزي الأوروبي يقوم بالتفويض الممنوح له. إذا لم تكن المسألة مسألة ملاءة (حكومات)، بل مسألة سيولة، عندها يكون لدى البنك المركزي الأوروبي مجالاً للعمل – ويمكن للمرء حتى أن يقول إن على البنك المركزي الأوروبي واجب العمل''.

كما أنه لا يرى أن هناك أي سبب يحول دون لجوء البنك المركزي الأوروبي للتخفيف الكمي – إيجاد الأموال لشراء الأصول - إذا تردى الأفق الاقتصادي وأصبح الانكماش خطراً.

بصفته مصرفياً مركزياً، يتحدث بيني سماغي بصراحة، وربما شجعه على ذلك مغادرته للبنك المركزي الأوروبي. وهو يصف الخطوة الفرنسية - الألمانية التي اتخذها البلدان في أواخر عام 2010 بــ ''الكارثية''؛ لضمان ''مشاركة القطاع الخاص'' أو خفض قيمة السندات التي يحتفظ بها المستثمرون، في عمليات الإنقاذ الأوروبية التي تتم في المستقبل. ولقيت تلك الخطوة التي أفزعت المستثمرين بشأن منطقة اليورو معارضة قوية من البنك المركزي الأوروبي. وكان من الأحكم إسقاط تلك المشاركة في عملية إنقاذ اليونان، رغم أن أوان ذلك قد فات.

ويعطي سؤال عمّا إذا كان العالم مستعبداً جداً للخبراء الاقتصاديين الأمريكيين، لبيني سماغي الفرصة للهجوم على الذين ''يستخدمون افتراضات مبسطة في محاججتهم''. وهو يقول إن الحياة الحقيقية أكثر تعقيداً. ''بالنسبة إليّ، يبدو أن بعض الاقتصاديين أصبحوا منجذبين إلى الإجابات السريعة، والبسيطة والصادمة؛ لا لشيء إلا ليحظوا باهتمام وسائل الإعلام وإعلاء شأنهم''.

لقد أصبح مستقبله معقداً من الناحية السياسية في حزيران (يونيو)، عندما تمّ تعيين دراغي خلفاً لجان- كلود تريشيه كرئيس للبنك المركزي الأوروبي. فقد قال الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي علانية: إن وجود شخصيتين إيطاليتين في المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي يعتبر كثيراً جداً. لفترة من الوقت ظل بيني سماغي صلباً وقوياً. ولكن في تشرين الثاني (نوفمبر)، أعلن أنه سيترك البنك ليتولى منصباً في جامعة هارفرد، وهو قرارٌ ''لم يشعر شخصياً بأي ضغط'' لاتخاذه.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية