لا يمكن الحديث عن قطاع معين في الاقتصاد السعودي دون معرفة تبعات الأزمات المالية التي تحدث في أكبر الاقتصاديات العالمية في أمريكا وأوروبا وتبعاتها على دول شرق آسيا، المحرك الأقوى اليوم للاقتصاد العالمي. وحتى كتابة هذا المقال، ورغم الأزمات المالية، يبدو أن الاقتصاد السعودي محظوظ بتماسك أسعار النفط فوق متوسط 100 دولار، مع إنتاج يقدر في المتوسط بنحو 9.4 مليون برميل في اليوم، مما أعطى الحكومة قدرة كبيرة على الإنفاق لتفادي أية أزمة أو أية ركود محتمل. يضاف إلى ذلك، الأداء الجيد للشركات السعودية من خلال تحقيقها نموا جيدا في أرباحها. مع استمرار الأفراد في الإنفاق الاستهلاكي القوي الذي قارب من متوسط 60 مليار ريال شهريا. كل تلك عوامل أسهمت وبإيجابية في استمرار النمو الاقتصادي القوي للمملكة حيث إن التوقعات تشير إلى نمو قد يتجاوز 6.5 في المائة لعام 2011.
في ظل تلك الإيجابية، يلعب القطاع البنكي دور عازف السمفونية في إدارة تلك التدفقات النقدية وإعادة توزيعها في شرايين الاقتصاد المحلي بشكل متناغم يسهم في تماسك واستقرار القطاعات الاقتصادية الأخرى، مسترشداً بنوتات موسيقية هي نوتة المخاطر. فهناك نوتة مرتفعة، وأخرى منخفضة، وما بينهما من نغمات تسهم في استشعار مخاطر كل قطاع وفرد في المجتمع. ومن الواضح أن القطاع البنكي يلعب هذا الدور باحترافية عالية، خصوصا أن أحداثا جساما برهنت على ذلك. فقد تجاوزت البنوك السعودية أزمة الرهن العقاري الأمريكي 2008، وأخيرا الأزمة الأوروبية بنجاح، حيث إن تأثير تلك الأزمات كان محدوداً للغاية. فالبنوك السعودية التي تتبع سياسة مخصصات متحفظة حتى قبيل الأزمات المالية، واصلت تبني مخصصات استثمارية في الدرجة الأولى تجاه أزمة 2008، وائتمانية ثانياً جراء تأثر بعض قطاعات الأعمال السعودية المتعاملة مع الخارج، ثم عادت وتبنت سياسة المخصصات المعتادة خلال 2011 ما يشير إلى أن الأزمة الأوروبية لم تؤثر فيها. وقد أسهم المركز المالي الصلد للبنوك في الحد من تأثير هذه الأزمات بدرجة كبيرة، حيث إن مخاطر انكشافها على أمريكا وأوروبا يقدر بنحو 5 في المائة - 2 في المائة من مجمل مخاطرها حسب جي بي مورجان.
ورغم ارتفاع نسبة الديون المكشوفة التي تجاوزت 3 في المائة تقريبا، فإن البنوك السعودية تحتفظ بنسبة تغطية مخصصات عالية تجاوزت 100 في المائة، ما يسهم في تنمية أرباحها في السنوات المقبلة مع خفضها المتدرج لتلك النسب. وتتمتع كذلك بسيولة ممتازة، حيث تصل نسبة القروض إلى الودائع 80 في المائة، ناهيك عن أن نحو 60 في المائة من هذه الودائع مجانية وبدون عمولات. ومن المؤمل أن تأتي البنوك السعودية في مقدمة البنوك في تبني متطلبات بازل الثالثة المهتمة بتنويع وجودة الأصول، خصوصا أن كفاية رأسمال البنوك في الوقت الحالي تصل إلى 17 في المائة، متجاوزة وبنسب عالية متطلبات ''بازل 1''، و''بازل 2''. وبالنظر إلى مؤشرات الربحية، فإن البنوك السعودية تتمتع بعوائد مرتفعة، مقارنة بالقطاع البنكي عالميا. فقد شهدت نموا في أرباحها بنسبة 20 في المائة في الشهور العشرة الأولى من 2011، رغم أخذها مخصصات لمقابلة أية مفاجأة من الأزمة العالمية الحالية، وليس لأية مصاعب في جودة أصولها المالية. ويصل العائد على حقوق الملكية نحو 16 في المائة. علاوة على ذلك، فإن هيكلة القوائم المالية للبنوك تتسم بالتحفظ، حيث إن الأصول السائلة تمثل نحو 10 في المائة من مجمل الأصول، و55 في المائة من الأصول هي مطالبات على القطاع الخاص، و15 في المائة على القطاع الحكومي وشبه الحكومي. وتمول أصولها بنسبة 70 في المائة من الودائع وبتكاليف منخفضة لمجانية 60 في المائة من هذه الودائع، بينما تمول حقوق الملاك نحو 14 في المائة فقط لهذه الأصول.
وتسهم متانة الاقتصاد المحلي وزيادة الطلب على الاقتراض في تحسن ربحية وهيكلة أصول البنوك بشكل أفضل. فالحكومة السعودية تبنت خطة إنفاق ضخمة في مارس الماضي على الأجور، وقطاع الإسكان، والقطاع الصحي والأمني بنحو 467 مليار ريال، ما أسهم في زيادة السيولة في الاقتصاد المحلي بشكل كبير، وزيادة ملحوظة في النشاط الاقتصادي، حيث نما عرض النقود بمعناه الواسع في نهاية الربع الثاني من 2011 بنسبة 13.1 في المائة، وارتفع الائتمان للقطاع الخاص بنسبة 9 في المائة وهو الأعلى منذ الربع الأول 2009، مع ارتفاع تمويل الأفراد بنسبة 10 في المائة، وارتفاع الودائع بنسبة 11 في المائة.
كل ما سبق من مؤشرات تشير إلى أن لدى البنوك السعودية قدرة على مجابهة أية تحديات مستقبلية في 2012 و2013 عطفاً على التوقعات بمحافظة أسعار النفط على تماسكها، حيث من المتوقع أن تصل إلى متوسط 110 دولارات للبرميل في 2012 و113 دولارا في 2013، ناهيك عن أن الحكومة ستستمر في الإنفاق بشكل كبير في السنوات المقبلة مدعومة بأسعار النفط، وباحتياطياتها الأجنبية التي قد تتجاوز تريليوني ريال قبيل نهاية 2011. ومن المتوقع أن تحقق ميزانية الحكومة لعام 2011 فائضاً رغم الإنفاق الكبير خلال العام، مع توقعنا بتقديرات متفائلة لسنة 2012 وبفائض ملحوظ متى تبنت الحكومة أسعار نفط معقولة، فمن المؤمل أن تستمر الحكومة في الإنفاق بقوة في مشاريع البنية التحتية، والصحة، والتعليم، وزيادة الدعم، ومؤازرة الأنشطة الاقتصادية الأخرى التي قد تتأثر يأية أزمات عالمية أو إقليمية مستقبلية. ورغم هذه النظرة المتفائلة للاقتصاد المحلي والقطاع البنكي إلا أن القطاع يواجه عدة تحديات هي هيكلية بالدرجة الأولى، يمكن إيجازها في التالي:
ـــــ القاعدة الرأسمالية ما زالت ضعيفة عطفا على النمو الكبير في الاقتصاد المحلي وكبر حجم المشاريع، خصوصا مشاريع البنية التحتية التي تتطلب مبالغ تمويلية ضخمة.
ـــــ استحواذ نحو خمسة بنوك على نحو 66 في المائة من القروض و71 في المائة من الودائع.
ـــــ اعتماد بعض البنوك على ودائع عدد قليل من المؤسسات الحكومية والعامة لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.
ـــــ درجة نفاذ إقراض متدنية لبعض القطاعات الاقتصادية، خصوصا قطاعي البناء والتشييد والقطاع العقاري.
ـــــ تركيزها على الشركات التجارية ذات التدفقات النقدية قصيرة الأجل والأفراد لطبيعة الفجوة الهيكلية بين الأصول والخصوم للبنوك، حيث إن نحو 60 في المائة من الودائع في صورة ودائع تحت الطلب، ما يحد من قدرة البنوك في التمويل لأكثر من خمس سنوات، وهو ما تتطلبه مشاريع البنية التحتية والتمويل العقاري.
وفي الختام، يمكنني القول إن القطاع البنكي السعودي سيستمر في النمو المعتدل في السنتين القادمتين، مع استمراره في سياسة التحفظ، مع التوقع ببقاء ربحية البنوك في مستويات 2011 عطفاً على بقاء سعر الفائدة منخفضاً حتى 2013، كما أشار الاحتياطي الأمريكي، مما يفوت الفرصة للقطاع البنكي في رفع هوامش الربحية على القروض، فمع ارتفاع سعر الفائدة تسعى البنوك في رفع هامش الربحية والعكس صحيح، ما عدا المنتجات المتوافقة مع الشريعة، التي تحقق هوامش ربح أفضل في بيئة فائدة منخفضة.
