خلص تحليل مالي لأزمة الديون الأوروبية إلى أن منطقة اليورو عند نقطة تحول خطيرة، وأن الخيارات تبقى موجودة لكنها صعبة للغاية وذات تداعيات بعيدة وواسعة، مشيرا إلى أن الأزمة في أوروبا ستؤثر في المملكة، ولكن يمكن احتواء هذه الآثار والسيطرة عليها، إلا إذا وصل الأمر إلى الولايات المتحدة، فإن تأثير هبوط الدولار الأمريكي في الاقتصاد السعودي أكثر خطورة.
ورسم التحليل الذي أعده لـ ''الاقتصادية'' مطشر المرشد، عضو جمعية الاقتصاد السعودية، مجموعة من السيناريوهات، للنتائج المحتملة لأزمة الديون السيادية في القارة البيضاء خلال عام 2012، والحلول الممكنة لمعالجة الأزمة، التي تتطلب وفق التحليل إرادة سياسية قوية وجهوداً منسقة لاتخاذ قرارات سريعة ما يشكل إحدى عقبات الحل.
5 سيناريوهات صعبة ومرهقة
السيناريو الأول وضع قيام البنك المركزي الأوروبي بدور مقرض الملاذ الأخير كخيار أمام الاتحاد الأوروبي، حيث يشتري البنك المركزي الأوروبي كل ما يطلب النظام منه شراءه من السندات الحكومية من أجل الحفاظ على استقرار عائدات السندات، على غرار ما فعل بنك الاحتياطي الفيدرالي في عام 2008، ويصدر في وقت لاحق سندات جديدة، بضمان مشترك من قبل جميع دول منطقة اليورو التي ترغب في استبدال جزء من الدين الحكومي. إلا أن البنك المركزي ذكر أن هذا ليس من اختصاصه ولا في ميثاق عمله، كما أن هناك تشككاً في امتلاكه القوة اللازمة، علاوة على أن ألمانيا لا تؤيد مثل هذه الخطوة.
الخيار الثاني، أن يبدأ البنك المركزي الأوروبي في طبع النقود (وهنا أيضا، كما فعل بنك الاحتياطي الفيدرالي)، حيث يمكن تسديد الديون العامة الكبيرة إلى مستويات يمكن السيطرة عليها، إلا أن هذا سيثير خطر التضخم، ويمكن أن يقضي على المدخرات، وستفقد السندات جزءا من قيمتها، وستنخفض المستويات المعيشية، لكن الميزان التجاري سيتحسن (وهذا من شأنه أن يؤدي إلى حروب خطيرة بين العملات)، كما أنه يتطلب تعديل ميثاق منطقة اليورو (هل ستوافق ألمانيا على ذلك؟).
المرشد حمل جميع دول منطقة اليورو ''بالتضامن والانفراد'' المسؤولية عن كل ديون بعضها بعضا، خيارا ثالثا، إلا أنه قال إن هذا من شأنه أن ينطوي على التزام من جانب البلدان الأقوى بدعم البلدان الأضعف، إضافة إلى بلدان منطقة اليورو ودعم دول منطقة اليورو لصندوق إنقاذ الاتحاد الأوروبي، ووضع آلية الاستقرار الأوروبي.
وقال ''ربما كان من الأسهل إنشاء صندوق إنقاذ آلية استقرار (كما حدث في مؤتمر القمة الأوروبية)، وربما كان من غير الممكن البدء في ذلك على المستوى السياسي أو تحمل المسؤولية ''بالتضامن والانفراد''.
الخيار الرابع لجوء الدول إلى اتخاذ تدابير تقشفية شديدة، لخفض عجزها، (ربما تأميم البنوك؟)، ومن ثم البحث عن ديون بناء على هذه الوعود على أن يوفر السوق القروض، لكن التقشف وفق التحليل وبالنسبة لاقتصاد في حالة ركود لن يزيد الحال سوءا وحسب، بل سيزيد أيضا من عجز الموازنة وسيناريو نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ــــ وهذا خيار صعب.
التفكيك المنظم أو غير المنظم لمنطقة اليورو، يبرز ضمن الخيارات الممكنة والسيئة وفق رؤية المرشد، إذ إنه قد يؤدي إلى الفوضى، حيث الحل يكمن في كسر حلقة التغذية المرتدة. وإذا لم يحدث ذلك، فإن العوائد على السندات السيادية لدى الدول غير الأساسية سترتفع وستزداد أوضاع البنوك صعوبة، وتنكمش الاقتصادات الأوروبية.
ومن مساوئ السيناريو الخامس أن الأسواق تعمل بشكل أسرع من المفاوضات السياسية، فإذا ما اتضح احتمال التفكيك المنظم أو غير المنظم، فربما نشهد تهافتاً على السندات والبنوك في البلدان الأضعف، مما سيؤدي إلى انهيار الاتحاد النقدي، كما أنه وفي ضوء الاقتصاد العالمي المتشابك، يمكن أن يؤدي هذا أيضا إلى حالة مماثلة في الاقتصادات الأوروبية الأقوى.
وتنتهي خيارات تحليل عضو جمعية الاقتصاد السعودية بالتأكيد على أن سيناريوهات معالجة الأزمة الأوروبية لكل منها تداعياته البعيدة والواسعة. وقال: على الأقل، إن منطقة اليورو تدرك أن هناك مشكلة وهي تتخذ التدابير لحلها، ولكن من المهم أن نرى ما يخبئه المستقبل للولايات المتحدة ـــ ''الفيل الأكبر'' في الساحة؟
تأثيرات ديون أوروبا في السعودية
وحول تأثيرات الأزمة في منطقة أوروبا على الاقتصاد السعودي، كشف التحليل أنه ورغم محدودية تلك المخاطر إلا أن هناك جملة من التأثيرات السلبية، إذ ولكون المملكة جزءا من الاقتصاد العالمي المتشابك، فهي ستتأثر بالأزمة، لكنها ستكون قادرة على احتواء هذا التأثير والسيطرة عليه، ولكن في حال استمر الركود الاقتصادي في منطقة اليورو (الذي يمكن أيضا أن يجر معه الاقتصاد العالمي)، فسيكون الأثر السلبي والسريع على أسعار النفط، حيث إن انخفاض توقعات الطلب على النفط وارتفاع مخزونات النفط، أي مستويات إمدادات النفط العالمية المرتفعة ستلقي بظلالها أيضا على أسعار النفط.
ومن التأثيرات السلبية أن البنوك الأوروبية كانت في الماضي مصدرا مهما من مصادر تمويل المشاريع (المشاريع القائمة والمشاريع الجديدة) التي لديها التزام من البنوك الأوروبية قد تشهد ضغطا يدفعها إلى التعثر، ما قد يرفع تكاليف تمويل المشاريع، كما أن هناك دلائل غير مؤكدة تشير إلى أن البنوك السعودية عرضة لنسبة ضئيلة جدا من الخطر الائتماني يرتبط بأصول أوروبية، مع بقاء الخطر الائتماني للطرف النظير قائما.
ووفق التحليل يمكن أن يؤدي الركود العالمي إلى انخفاض في الأسواق المالية (بما فيها تداول). وهذا التأثير السلبي في الثروة من شأنه أن يدفع بالمستثمرين إلى التوجه نحو استثمارات تحافظ على رأس المال، وقد تكون خارجية للحصول على عوائد ثابتة أعلى من سعر الفائدة المحلية، إضافة إلى أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر مُصدّر منفرد إلى السعودية (في عام 2010، شكلت واردات السعودية من الاتحاد الأوروبي أكثر من 25 في المائة من إجمالي الواردات السعودية).
هبوط الدولار من التأثيرات الجانبية أيضا للأزمة الأوروبية، إذ من شأنه أن يؤجج التضخم القادم من الخارج فضلا عن تأثر الاقتصاد السعودي بسبب تعرض الكبيرة للخطر الائتماني المرتبط بالأصول المقومة بالدولار، بعكس كون اليورو الضعيف، في الميزانية، مفيدا للسعودية، لتخفيف مستوى التضخم.. (لكن هذا مرهون بتماسك سعر صرف الدولار).
مسببات أزمة الديون السيادية الأوروبية
مع أن الأزمة الحالية نجمت إلى حد كبير عن عجز في الميزانية أوجدته عائدات الضرائب غير الكافية وارتفاع الإنفاق الحكومي أو كليهما في كثير من بلدان منطقة اليورو، فإن الأزمة المالية عام 2008 التي بدأت في الولايات المتحدة كأزمة رهن عقاري وتبعتها دول قليلة أخرى ربما كان لها أيضا دور في إحداث هذه الأزمة. وبحسب التحليل المالي فربما تكون الأزمتان مرتبطين لأن الكثير من البنوك الأوروبية كان لديها أصول في بنوك أمريكية متعثرة ماليا، وهذا ما أدى بدوره إلى تفاقم العجز في ميزانيات العديد من الحكومات (بسبب حزم الإنقاذ/ عمليات إعادة الرسملة/ الضمانات... إلخ).
استخدام الحكومات الأوروبية أسواق الديون السيادية لتمويل دعمها ميزانياتها، الأمر الذي أدى إلى زيادة تفاقم العجز في الميزانية ونسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، كان من أبرز مسببات الأزمة، إذ إنه ومع تفاقم الوضع، ارتفعت أسعار الفائدة (العوائد على السندات) لدى هذه البلدان، وبدأت التساؤلات تبرز حول قدرتها على خدمة الدين وانطباع الأسواق حول الملاءة المالية لهذه الحكومات أو البنوك، فكانت النتيجة النهائية تدهور كبير في التمويلات الحكومية وأثر الدومينو (انتقال العدوى).
هيكل الاتحاد الأوروبي يضعه التحليل ضمن قائمة مسببات الأزمة، حيث عملت الدول الأضعف في منطقة اليورو جاهدة على أن توفر لمواطنيها مزايا ومنافع مماثلة لتلك التي توفرها الدول ذات الاقتصادات الأقوى، متجاهلة معالجة نقاط الضعف (كالكفاءة والإنتاجية وعدم وجود مؤسسات أو مشاريع خاصة قوية... إلخ)، فثمة تغطية العجز في الميزانية الناجم عن ذلك بواسطة الديون كلما أمكن الحصول عليها بأسعار مماثلة لأسعار الديون التي تمنح للدول الأقوى.
وبحسب صندوق النقد الدولي، ارتفع مجموع ديون منطقة اليورو خلال الفترة من 2006 إلى 2012 بمقدار 2.8 تريليون يورو، في حين أن الناتج المحلي الإجمالي نفسه ارتفع بنسبة أقل من نصف هذا المبلغ (1.1 يورو) فقط؛ وكان نحو 13 من بين الدول الـ 17 الأعضاء لديها ديون تزيد على 60 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي.
وبالرغم من هذا، فقد رفعت البنوك (على افتراض أن الديون السيادية تنطوي على مخاطر منخفضة) أيضا من حجم قروضها السيادية للمؤسسات الحكومية، ومع نهاية عام 2010، كان لدى بنوك منطقة اليورو أكثر من 20 في المائة من مجموع الديون السيادية في منطقة اليورو البالغ 7.9 تريليون يورو، وبتزايد الديون، بدأت الأسواق تشكك في قدرات خدمة الديون، فأدى عدم وجود إجراء حاسم سريع ـــ حيث يتطلب كل قرار مصادقة 17 برلمانا ــــ إلى تفاقم حالة التوتر والقلق.
وكنتيجة النهائية أدى الترابط الكبير بين دول وحكومات منطقة اليورو وكذلك بين البنوك في منطقة اليورو إلى جانب هيكل المعاهدة (اتفاقية الماستريخت) دفع اليورو ومنطقة اليورو في الواقع إلى حافة نقطة اللاعودة.
نصت معاهدة ماستريخت 1992 على معايير معينة يجب الوفاء بها من قبل الأعضاء لكي ينضموا لمنطقة اليورو، ومن تلك المعايير: تطورات الأسعار ، إذ يجب ألا يزيد معدل التضخم في السنة السابقة لقبول الدولة الجديدة بأكثر من 1.5 في المائة عن متوسط معدل التضخم لدى أفضل ثلاث دول أداء في منطقة اليورو.
وبالنسبة للتطورات المالية فقد شددت المعاهدة على أن العجز في الميزانية يكون أقل من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وألا تتجاوز الديون السيادية بحد أقصى 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلا إذا كانت هذه النسبة عند الانضمام في تناقص كاف ومقنع.
أما فيما يتعلق سعر الصرف، فقد اشترطت المعاهدة ألا تكون الدولة المرشحة للعضوية قد خفضت قيمة عملتها مقابل عملات الدول الأعضاء الأخرى في آخر سنتين سبقتا الانضمام مباشرة، بينما يجب ألا يزيد سعر الفائدة الاسمي طويل الأجل بأكثر من 2 في المائة عن متوسط أداء أفضل ثلاث دول أعضاء على مدى فترة سنة قبل الانضمام، لكن المعاهدة لم تنص على آليات جزائية في حالة فشل العضو في الالتزام بهذه المعايير.
وتقول معاهدة ماسرتخيت إن هناك عملة موحدة (يديرها البنك المركزي الأوروبي ــــ وهذا يعني في الواقع أن الدول الأعضاء لا يمكنها طباعة أوراق اليورو ـــ أي سياسة نقدية مركزية)، لكن لم يكن هناك سياسة مالية مركزية ـــ بل كان يتوقع من كل دولة عضو أن تدير ميزانها التجاري وميزانيتها، علاوة على ذلك، وفر الانضمام إلى منطقة اليورو مردودات وحوافز اقتصادية كبيرة منها الاقتراض بتكاليف أقل، وحرية متكافئة للتجارة بين دول الاتحاد الأوروبي، وغير ذلك.
في الواقع، لقد أدت المردودات الاقتصادية الهائلة عند الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي مقرونة بآلية جزائية محدودة إلى خلق مناخ تحفيزي كبير للدول للدخول إلى الاتحاد الأوروبي دون إجراءات رادعة في حالة سوء إدارة مواردها المالية (زيادة الاقتراض).
