الأحد, 25 أكتوبر 2026|13 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إن الرخاء والسلام في المنطقة سيعتمد على التفكير في أشياء كبيرة والتصرف بسرعة. إن ثورات عام 2011 هي فرصة تاريخية لجميع العرب. إن أقصى حالات الاستفادة منها سيتطلب الواقعية والشجاعة وإرادة التغيير والاستعداد لدعم التغيير خاصة بين أولئك الذين لديهم أفضل السبل لعمل ذلك.

لقد مرت سنة تقريبا منذ أن تمكنت الثورة في تونس والاحتجاجات في ميدان التحرير بالقاهرة من الإطاحة بأنظمة سلطوية متحجرة، حيث أشعلت عاصفة واسعة النطاق لا تزال مستعرة في العالم العربي.

لا أحد يستطيع أن يتوقع أين ستأخذ تلك الأحداث الشعوب العربية في نهاية المطاف، ولكن هناك شيء مؤكد: أنه لا عودة للوراء. إن هناك حركات وكيانات اجتماعية وسياسية صاعدة، وهناك انتقال للسلطة وهناك أمل بأن العملية الديمقراطية ستصبح أقوى وستنتشر في العالم العربي عام 2012.

إن الأحداث في العالم العربي عام 2011 تجعلنا نستذكر تحولات إقليمية أخرى كان لها تأثير كبير مثل ما حصل في شرق أوروبا بعد سقوط جدار برلين عام 1989. إن هناك فروقات بالطبع، ولكن سرعة انتشار الاضطرابات تشبه إلى حد كبير الثورات التي أنهت الشيوعية في أوروبا، كما أن هناك تشابها كبيرا في الجدل القائم عن المساهمة النسبية للعوامل السياسية والاقتصادية في نشوب الاحتجاجات الشعبية في نهاية المطاف.

بينما كان الشوق للكرامة وحرية التعبير والمشاركة الديمقراطية الحقيقية هو القوة المحركة للثورات العربية، لعب الاستياء من الوضع الاقتصادي دورا حيويا، حيث ستساعد العوامل الاقتصادية على تحديد مصير هذا التحول في العالم العربي، حيث إن هناك ثلاثة تحديات أساسية وعلى المدى الطويل يجب أن نضعها في اعتبارنا.

أولا: يجب أن يكون النمو أكثر شمولية، خاصة فيما يختص بخلق الوظائف. إن نسبة الوظائف لعدد السكان كانت نحو 27 في المائة في العالم العربي عام 2008، مقارنة بنسبة 53 في المائة في شرق آسيا، كما أن انعدام المساواة في الجانب الاقتصادي قد ازداد مع انتقال الظاهرة العالمية المتمثلة في زيادة تمركز الثروة في القمة إلى عديد من الدول العربية. لقد كانت الدخول العالية في تلك البلدان بشكل عام نتيجة للمحسوبية السياسية بدلا من الابتكار والعمل الجاد. بينما كانت تونس مثالا على إفراط النظام في الترويج للمصالح الاقتصادية لزمرة صغيرة من المقربين، فإن النمط كان واسع الانتشار. لهذا السبب، فإن وصفة ''إجماع واشنطن'' المبسطة وغير المحسوبة والمتعلقة بالمزيد من تحرير الاقتصاد والخصخصة لا تتناسب مع العالم العربي عام 2012. إن هناك حاجة سياسية واضحة لاستراتيجية نمو، حيث تكون الشمولية هي قلب تلك الاستراتيجية وليست فكرة عابرة. ليس عند اليسار القديم المؤمن بدور الدولة ولا اليمين الرأسمالي المؤمن بالمحسوبية وتحقيق منافع عن طريق استغلال الوضع الاجتماعي والسياسي أية سياسات للتعامل مع هذه اللهفة للشمولية. إن القوى السياسية الجديدة في العالم العربي، سواء تلك التي تستلهم الأفكار الإسلامية أو الأفكار الاجتماعية ــــ الديمقراطية يجب أن تقترح السياسات، التي لا ترسخ رأسمالية المنافع عن طريق استغلال الوضع السياسي والاجتماعي أو الاعتماد على بيروقراطية الدولة التي فقدت مصداقيتها. سيكون من الضروري استغلال الديناميكية على المستوى الشعبي وإمكانية إقامة مشاريع تنطوي على المبادرة، وذلك من أجل تحقيق التضامن الاجتماعي والمساواة.

بينما يجب إطلاق قطاع خاص منافس بحق فإنه يجب عدم إضعاف الدولة، ولكن يجب تحويلها لتصبح في خدمة المواطنين. إن التحول الاجتماعي يجب أن يكون سخيا وهادفا ويكون على أساس الأداء ومرتبطا بالمشاركة في برامج صحية وبرامج تعليم أساسي، حيث يستبدل ذلك الدعم القديم الذي كان غير مستهدف بشكل عام. يجب أن يركز تمويل القطاع العام على إمكانية الوصول على نطاق واسع للإسكان والبنية التحتية التي تهم الناس. يجب تحقيق كل ذلك من خلال إطار مستدام للموازنة وهذا يتطلب التمويل وإصلاحات إدارية شاملة.

إن التحدي الثاني إلى جانب النمو الشامل هو تطوير المهارات، حيث يجب أن تكون هناك أولوية قصوى لنظام تعليمي قائم على أساس الأداء، لقد أنفقت العديد من البلدان العربية مبالغ ضخمة جدا على التعليم، ولكن المشكلة أن العائد من تلك الاستثمارات كان سيئا. إن درجات الطلبة العرب على سبيل المثال هي أقل من المعدل العالمي في اختبارات الرياضيات والعلوم، وإن الإصلاحات العميقة ــــ التي تركز على الجودة والأداء بدلا من الالتحاق بالتعليم وشهادات الدبلوم ــــ ضرورية من أجل تحويل العملية التعليمية وإطلاق نمو في الإنتاجية، الذي تحتاج إليه أي قوة عاملة شابة.

إن التحدي الثالث وهو حيوي من أجل التغلب على التحديين الأولين وتقوية التضامن العربي الإقليمي، إن العديد من الناس من خارج المنطقة يستخفون ''بعروبة'' العالم العربي أو يقللون من أهميتها لكن ثورات عام 2011 أظهرت أن هناك شعورا قويا بالهوية ولغة مشتركة وتاريخ مشترك يربط العرب معا بالرغم من الاختلافات الكبيرة في الموارد الطبيعية والظروف السياسية ومعدل دخل الفرد وإلا كيف يمكن أن نفسر أن عملا ثوريا في تونس أدى إلى ثورات شعبية من شمال إفريقيا إلى اليمن؟

إن أحد أبعاد ذلك هو أن الدول الغنية بالنفط والقادة لا يستطيعون أن يتوقعوا أن يبقوا منعزلين ومحميين من الأحداث التي تتكشف سريعا. إن مستقبل المنطقة هو أيضا مستقبلهم. إن التحول الذي بدأ عام 2011 أطلق قوى لا يمكن وقفها، ولكن التحول يمكن أن يكون أكثر تنظيما وسلمية وأقل إزعاجا لو قامت الدول التي لديها موارد ضخمة والثروة بدعم الدول الأفقر بسخاء ودعم الصلاحيات التي تحتاج إليها جميع الدول العربية. إن المؤسسات الحالية والتي لديها تاريخ حافل مثل الصندوق العربي في إمكانها المساعدة، ولكن هذا يتطلب زيادة تمويلها بشكل دراماتيكي.

إن الرخاء والسلام في المنطقة سيعتمد على التفكير في أشياء كبيرة والتصرف بسرعة. إن ثورات عام 2011 هي فرصة تاريخية لجميع العرب. إن أقصى حالات الاستفادة منها سيتطلب الواقعية والشجاعة وإرادة التغيير والاستعداد لدعم التغيير خاصة بين أولئك الذين لديهم أفضل السبل لعمل ذلك.

#2#

نائب رئيس معهد بروكنجز في واشنطن ومستشار لمركز سياسات إسطنبول في جامعة سابانسي. لقد عمل وزيرا في تركيا للشؤون الاقتصادية ورئيسا تنفيذيا لبرنامج التنمية التابع للأمم المتحدة.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر : بروجيكت سنديكت،2011

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية