الأحد, 13 سبتمبر 2026|30 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

لاحظ المواطن أن صدور الميزانية التقديرية للدولة في هذا العام تأخر لبضعة أيام عن أول الجدي؛ ثم صدرت الميزانية - كالعادة ولله الحمد - وهي تحمل بشائر الخيرات في كل قطاعات الحياة؛ وعن أسباب تأخر صدور الميزانية؛ تناقل بعض المواطنين كثيرا من الأخبار التي انسابت بقوة في مجالس كثير من الناس؛ وكان فحواها يقول إن الدولة تدرس إمكانية تضمين الميزانية زيادة عامة في الرواتب.

وحينما صدرت الميزانية ولم تتضمن الزيادة في الرواتب بادر الناس يقولون إن الحكومة درست زيادة الرواتب، ولكنها وصلت إلى قناعة بأن تضمين الميزانية زيادة في الرواتب سيؤدي إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار بشكل مزعج، ولا سيما أن الإنفاق الحكومي في الميزانية ارتفع بشكل لافت.

ومع أنني أسلم بأن زيادة الرواتب ستؤدي إلى زيادة المستوى العام للأسعار لأن آلية كبح الزيادات العشوائية في الأسواق السعودية آلية ما زالت ضعيفة وهزيلة؛ فإن الإمساك عن زيادة الرواتب في الوقت الراهن أمر مقبول؛ ولكن زيادة الرواتب في النصف الثاني من تنفيذ بنود الميزانية أمر ضروري.

إن زيادة الرواتب أمر لا مفر منه ؛ لأن الأسعار بطبيعتها تتجه إلى الزيادة في الأسواق المحلية والخارجية ولا تنتظر زيادة أو عدم زيادة الرواتب.

وإذا كان هذا المنطق الكلاسيكي مقبولا في الماضي، فإن استخدام خيار زيادة الرواتب لمواجهة موجات الغلاء في عصر الأسواق المفتوحة وفي عصر العولمة.. تعد أمرا ضروريا، أي لم يعد الآن مقبولا أن تُحيد الرواتب التي تمثل الدخل الرئيس للشريحة الأكبر في المجتمع، ولذلك تعد الرواتب الأداة الأهم في إعادة التوازن إلى النشاط الاقتصادي، بل نستطيع القول إنه لا يوجد اقتصاد في الدنيا بدون زيادة الأجور والرواتب إما عن طريق العلاوات النظامية طبقا لقواعد سلم الرواتب.. وإما لضرورات اقتصادية تفرضها روشتة علاج أحد أمراض الاقتصاد الذي يعد التضخم واحدا من أخطر هذه الأمراض.

ونذكر بهذه المناسبة أن آدم سميث وهو زعيم النظرية التقليدية ومؤسس علم الاقتصاد وصاحب المقولة المشهورة (اليد الخفية) يقول بضرورة زيادة الأجور حتى تعبر عن الزيادة في معدلات النشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار.

دعونا نقول إن التضخم هو ارتفاع في المستوى العام للأسعار إما بسبب زيادة الطلب وإما بسبب الاحتكار المفضي إلى قلة العرض أو بسبب عوامل خارجية كارتفاع أسعار النفط أو انخفاض سعر صرف الدولار.

وإذا كان الغلاء هو نتيجة لكل هذه الاختلالات فنسأل: كيف لا تتدخل الحكومة لإزالة أسباب الغلاء أو التخفيف منه في السوق بحزمة من التدابير الرامية إلى تحقيق التوازن في السوق طالما أن هناك اختلالات تلحق أضرارا بالغة بالنشاط الاقتصادي؟!

إن ظاهرة الغلاء من أهم المشاكل التي تحدث شرخا في المعمار الاجتماعي والسياسي لأي مجتمع، ولذلك فإن علاج مشكلة الغلاء يتمثل أول ما يتمثل في وضع سياسة نقدية ومالية واضحة ومتعددة الأهداف وأهم أهدافها هو حماية المجتمع من آفة هذا الغول الأشر.

وتعد زيادة الأجور والرواتب من أهم أساليب العدالة في توزيع الدخل، ولكن ليس زيادة الرواتب فقط هي الإجراء الوحيد الذي يجب أن تتخذه الدولة لحماية المجتمع من غول الغلاء، بل هو أحد الإجراءات المهمة التي يجب أن تبادر الحكومة باتخاذها، إضافة إلى إقرار سياسة دعم السلع الأساسية وكذلك تسهيل قروض الإسكان وخفض تكاليف الخدمات وهو ما تم تنفيذه في كثير من الأوامر الملكية العادلة.

الغريب أن راتب الموظف المدني الحكومي في كل دول العالم هو الأقل مقارنة بغيره من موظفي القطاع العسكري والقطاع الخاص؛ وبالذات قطاع المال والأعمال؛ وفي تصوري لا توجد أسباب موضوعية تقر بأن رواتب موظفي الخدمة المدنية يجب أن تكون أقل بكثير من رواتب الموظفين في القطاع الأمني وقطاع المال والأعمال.

والغريب والعجيب أن هذا الانخفاض في رواتب موظفي الخدمة المدنية مشاع ليس في الدول النامية ولكن في الدول المتقدمة التي ترتفع فيها إنتاجية الموظفين الحكوميين إلى مستوى إنتاجية موظفي القطاع الخاص.

والسؤال: كيف تتحد رواتب الموظفين؟ وكيف يصمم سلم الرواتب كي يعبر عن الاستحقاقات العادلة للعامل والعمل؟!

إن علماء الإدارة هم المعنيون - في الدرجة الأولى - بوضع سلم الرواتب لأي شركة وأي مؤسسة حكومية؛ وهناك عديد من الأسباب الموضوعية التي تشترك في وضع مواصفات سلم الرواتب؛ وينطلق علماء الإدارة في وضع سلم الرواتب من مقولتهم المشهورة Equal work equal salary. بمعنى أن الراتب يجب أن يرتبط بالعمل؛ أما الحوافز فإنها ترتبط بالإنتاجية.

إن أهم ما يسترعى الاهتمام أن راتب الموظف العام لا يتناسب مع الوظيفة التي يضطلع بها؛ وفيه حيف تجاه الموظف الذي لا يملك إلا القبول بهذا المستوى من الرواتب.

إنني أرجو من الله - سبحانه وتعالى - أن يوفق حكومتنا الرشيدة إلى زيادة دخول أبنائها بكل الوسائل الممكنة حتى لا تؤدي ارتفاعات الأسعار في الأسواق المحلية والخارجية إلى زيادة من طرف واحد يكتوي بسياطها الموظف المسكين!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية