الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 14 مايو 2026 | 27 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

سفيرة اشتراكية في عاصمة الرأسمالية

عبدالله المدني
عبدالله المدني
الأحد 1 يناير 2012 4:22

يُعتبر منصب السفير في واشنطن أحد أهم المناصب الدبلوماسية التي يتقاتل عليها رموز الخارجية الباكستانية، ليس لأن واشنطن عاصمة القرار الدولي فحسب، إنما أيضا بسبب التحالف الاستراتيجي والعلاقات الخاصة المتينة منذ خمسينيات القرن الماضي بين واشنطن والحكومات المتعاقبة في إسلام أباد.

إلى فترة قريبة جدا كان شاغل هذا المنصب الأثير هو حسين حقاني. وهذا الأخير لمن لا يعرفه كان صحافيا لامعا وأكاديميا معروفا ومستشارا لثلاثة من رؤساء الحكومات الباكستانية السابقة، ومبعوثا لبلاده إلى سريلانكا. وقبل ذلك كان أحد ألمع الوجوه النافذة في الجناح الطلابي لحزب الرابطة الإسلامية الذي أسسه ''القائد الأعظم محمد علي جناح''. كما أنه مقرب من رئيس باكستان الحالي آصف زرداري، ومدافع صلب عن الحكم المدني في بلاده، ومنتقد شديد لتدخل جنرالات الجيش والمخابرات في الشأن السياسي، الأمر الذي وتّر علاقاته في عام 1999 مع الرئيس السابق الجنرال برويز مشرف.

إضافة إلى ما سبق، فهو - بحكم شهاداته العلمية الكثيرة في التاريخ والتربية والعلاقات الدولية، وعلاقاته المتشعبة الناجمة عن اشتغاله في الصحافة - مطلع على التاريخ الأمريكي، وتربطه علاقات وثيقة بنجوم المجتمع السياسي الأمريكي، ولا سيما أنه متزوج منذ عام 2000 من السيدة فرحناز أصفهاني (حفيدة أبو الحسن أصفهاني، أول سفير باكستاني لدى الولايات المتحدة) التي كانت تعمل منتجة لمصلحة محطة ''سي إن إن'' الأمريكية، قبل حصولها على مقعد في البرلمان الباكستاني الحالي.

في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) المنصرم خسر حقاني منصبه الدبلوماسي الرفيع بعدما أجبر على الاستقالة، تمهيدا لمساءلته، وذلك على خلفية اتهام عسكر باكستان وقادة مخابراتها المعروفة باسم ''إس آي إس'' له بأنه يوغر صدور الأمريكيين على جنرالات إسلام أباد، ويطالبهم بالتدخل من أجل تحجيم نفوذهم خوفا من قيامهم بانقلاب جديد ضد الحكم المدني.

والحقيقة أن موقف حقاني هذا من عسكر بلاده ليس جديدا، إنما أورده صراحة في كتاب له صدر في عام 2005 تحت عنوان ''باكستان ما بين المسجد والعسكريتاريا''. في هذا الكتاب اتهم حقاني جنرالات بلاده بارتباطهم بالجماعات المسلحة المتطرفة في أفغانستان، ودعمهم تنظيم القاعدة وأشباهها داخل الأراضي الباكستانية. غير أن ما فجر قنبلة العسكر في وجه الرجل أخيرا، وجعلهم يضغطون على حكومة رئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني للتخلص منه هو مذكرة قيل إنه رفعها إلى الأدميرال مايك مولن قائد هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، عبر صديقه رجل الأعمال الأمريكي من أصل باكستاني منصور إعجاز، يبدي فيها انزعاجه من هيمنة ذوي البذلات الكاكية على شؤون بلاده، وقيامهم بتوتير العلاقات الباكستانية - الأمريكية، وبالتالي ضرورة قيام واشنطن بالتدخل لحسم الأمور لمصلحة السلطة المدنية وتقويتها.

ورغم نفي حقاني هذه المذكرة وتنصله منها ومن علاقته بمنصور إعجاز، الذي كان قد كشف النقاب عن الموضوع أول مرة في مقال كتبه في صحيفة ''الفايننشيال تايمز'' اللندنية، فإن الضغوط تكالبت على إدارة زرداري/جيلاني لإجبار حقاني على الاستقالة أو طرده. ولعل في هذا دليلا آخر على مدى ما تتمتع به المؤسسة العسكرية الباكستانية من تأثير ونفوذ، ومدى قيامها بلعب أدوار خفية من وراء الكواليس حينما لا تكون في السلطة.

ولأن ترك منصب السفير في واشنطن شاغرا عمل مكلف وذو نتائج وخيمة على صعيد استمرار تدفق المساعدات الاقتصادية والعسكرية، خصوصا في هذه الفترة الحرجة التي تتعرض فيها علاقات البلدين الحليفين لأصعب اختبار، ولا سيما منذ استباحة قوات الكوماندوز الأمريكية السيادة الباكستانية في أيار (مايو) الماضي من أجل قتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، دعك من الضربات الجوية الأمريكية المتكررة ضد معاقل الجماعات الباكستانية المتشددة من أمثال حركة ''طالبان - باكستان''، فقد سارعت إسلام أباد إلى تعيين السيدة شهربانو رحمن المعروفة بـ ''شيري رحمن'' سفيرة لها في واشنطن، علها تستطيع رتق ما ظهر في ثوب علاقات البلدين من ثقوب مسببة لعدم الثقة.

هذا الاختيار المفاجئ والسريع، أربك الكثير من المراقبين في داخل باكستان وخارجها، بل صار مادة للكثير من التحليلات والمناقشات والجدل الذي لم ينقطع حتى هذه الساعة. ولم يكن مرد ذلك عدم امتلاك شيري مؤهلات ومواهب تناسب عملها الصعب، إنما بسبب خلفيتها الاشتراكية، وما قد تسببه هذه الخلفية الإيديولوجية من مشكلات إضافية في كيفية تقبل رموز الدولة الرأسمالية الأم لها وتعاونهم معها.

ولئن كان لأصحاب مثل هذا الرأي بعض الحجة، خصوصا في ظل الشكوك التي تساور الإدارة الأمريكية ممن عيّنها، وهو الرئيس آصف زرداري، فإن هناك أمورا قد تسهم في تذليل الصعاب من أمام شيري، بل تجعلها قادرة على كسب احترام صانع القرار الأمريكي. من أهم هذه الأمور ما يصاحب التوجهات الاشتراكية لهذه السيدة من آراء تقدمية ليبرالية من تلك التي تستهوي الأمريكيين. فالكل مطلع مثلا على دورها المشهود في الدفاع عن ملفات هي في صلب اهتمام واشنطن مثل حقوق المرأة، وحقوق الأقليات المسيحية والهندوسية والسيخية في باكستان، ودورها في مقاومة طروحات الجماعات الإسلامية المتشددة وتشريعاتهم (قانون التجديف مثلا)، وهو الدور الذي تسبب في تهديدها بالقتل، وبالتالي اضطرارها إلى التزام منزلها طويلا تحت حماية الشرطة. هذا ناهيك عن دورها المستميت من أجل حرية الصحافة والتعبير أثناء السنوات العشر التي تولت فيها رئاسة تحرير كبرى صحف باكستان ''ذا هيرالد'' وقيادة مجلس رؤساء تحرير الصحف الباكستانية (1988 - 1998)، ثم أثناء شغلها مقعدا في الجمعية التشريعية عن حزب الشعب ما بين عامي 2002 - 2007، وأخيرا أثناء إمساكها بحقيبة الإعلام ما بين آذار (مارس) 2008 وآذار (مارس) 2009.

ومن الأمور الأخرى التي قد تساعد شيري على مهامها، معرفتها الدقيقة بالولايات المتحدة انطلاقا من حقيقة دراستها للتاريخ والعلوم السياسية في كلية سميث في ماساتشوتس، ناهيك عما عُرفت به من جرأة فيما يتعلق بالدفاع عن الحكم المدني الديمقراطي، وهي الجرأة التي اختيرت بسببها كبطلة للديمقراطية عام 2006 من قبل مؤسسة دوفيرين لدورها في الوقوف مع الراحلة بي نظير بوتو في حملة الأخيرة ضد حكم المؤسسة العسكرية، التي اختيرت بسببها أيضا ضمن 100 امرأة آسيوية نافذة في عام 2009 من قبل مجلة ''أهلا'' الإماراتية.

ولعل أكثر من يتخوف من تداعيات ذهاب منصب السفير في واشنطن إلى شيري رحمن هم الجناح المتطرف داخل مؤسستي الجيش والاستخبارات الباكستانيتين، وجماعات الإسلام السياسي المتشددة. فهؤلاء لم يتوقفوا منذ الإعلان عن تعيينها عن التحذير من أن ''وجود امرأة اشتراكية تقدمية بوجه ليبرالي كسفيرة في واشنطن يعني التقاء وجهات نظرها بوجهة النظر الأمريكية حيال أوضاع باكستان المتداعية''، أي بكلام آخر تماهيها مع المصالح الأمريكية ضد مصلحة بلدها. وهذا، بطبيعة الحال، كلام بائس لا يستقيم، وباعثه الوحيد هو التشكيك في القدرات النسائية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية