الاثنين, 21 سبتمبر 2026|8 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

يبدو أن النظر إلى نصف الكوب الفارغ هو الأساس في بعض وسائل الإعلام، وتبني التشاؤمية، والتطرف النقدي هو ''ما يطلبه الجمهور''، وتأكد ذلك بعد إعلان ميزانية الدولة لسنة 2011 بفائض 306 مليارات ريال، وفائض لسنة 2012 بنحو 12 مليارا. وهذا التوجه والنقد السلبي لم يكن محصورا في بعض إذاعات الـ ''إف إم''، و''توتير'' فحسب، بل كانت معظم المجالس الخاصة ومعظم مريديها يتبنون سلبية غير معهودة، وعمت هذه الظاهرة قطاعا لا بأس به من المتعلمين والمدركين لأساسيات الاقتصاد والمال والأعمال. بل إن بعض الكتاب (الذين يدعون أنهم اقتصاديون ومحللون ماليون) بالغوا في النقد والتطرف بصورة تجعلك تؤكد أن هناك ليس قصورا في الفهم فحسب، بل رغبة في زيادة الطلب على هؤلاء من وسائل إعلام ''ما يطلبه الجمهور''. وبدلا من أن يقرأ ويحلل من يدعي أنه محلل اقتصادي الأرقام بموضوعية ومدى قدرة الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص على استيعاب تدفق هذه الأموال الضخمة، تفرغ لنقد غير مفهوم وغير واضح بسبب خلطه بين المفاهيم والمصطلحات والمعارف بصورة تزيد التشويش والانفعال والحماسة للمتلقي. وبالمنطق والأسلوب نفسه تصدر المجالس بعض المفوهين في إطلاق رؤاهم بالطريقة نفسها التي يسمعونها أو يقرؤونها مركزين على الجانب السلبي مما أعطى انطباع أننا نعيش حالة اقتصادية متدهورة.

وأتخيل لو أننا نتحدث اليوم عن عجز يصل إلى 8 في المائة أو مديونية تصل إلى 160 في المائة من إجمالي الناتج المحلي كما هو الحال في اليونان. أو أننا نتحدث عن مديونية تصل إلى 93 في المائة من الناتج المحلي كما في أمريكا، أو نتحدث عن رفع الرسوم والضرائب لسد تلك العجوزات، فماذا سيقول هؤلاء؟ إن النقد الموضوعي هو من يقودنا إلى حل مشاكلنا بطريقة إيجابية تساعد صانع القرار على اكتشاف أخطائه وتداركها. وهذا النقد الموضوعي اختفى في زحمة الأصوات السلبية. فمن تحدث عن أرقام الموازنة بموضوعية هم قلة، اندثرت أصواتها بعد نطقها بثوان، لأن لا أحد يريد سماع أي شيء إيجابي. وكنت أتمنى أن يتحدث البعض عن مبررات زيادة الصرف الفعلي عن التقديري بنسبة أكثر من 100 في المائة، وما إذا كانت هذه الزيادة التي توجهت في معظمها لبرامج الإسكان والتوظيف ستتحقق حسب الأهداف الموضوعة لها. وكذلك مبررات ارتفاع المصروفات التقديرية لسنة 2012 عن سنة 2011 بنسبة 19 في المائة، وما إذا كانت هذه الزيادة تتطلبها الأوجه المطلوبة التي تحتاجها التنمية أم لا. كنت آمل أن تكون التساؤلات عما إذا كانت بنود الموازنة واضحة وشفافة، وأن بالإمكان تحقيق أهداف هذه البنود. وكنت آمل أن أرى من يطالب بموازنة نفطية، وموازنة غير نفطية، وكيف يمكن سد العجوزات المتراكمة في الموازنة غير النفطية، وما الحلول لرفع مدخولات القطاع غير النفطي. وكنت أتمنى أن أعرف أسعار النفط والإنتاج التي تبناها صانع القرار في تقديراته للموازنة العامة. وكذلك صعوبة تطبيق ميزانية البرامج، ولماذا لا تتبنى رغم أن وزارة المالية تدرس منذ فترة طويلة هذه الطريقة. وهناك الكثير من التساؤلات التي طرحها العقلانيون، ولكن زخم السلبية التي انتشرت كالنار في الهشيم، بعد إعلان الميزانية قضت على الصوت العقلاني. وقضت أيضا على الصورة المضيئة التي جاءت بها بعض الأرقام والنسب مثل النمو الكبير في القطاع الصناعي بنحو 15 في المائة، وما الصناعات التي أسهمت في هذا النمو وبهذا الحجم، والأسباب التي أدت إلى ذلك. كنت أود مناقشة نمو القطاع الخاص بنسبة عالية بلغت 8.3 في المائة، وكيف يمكن الاستفادة من هذا النمو في زيادة التوظيف وخفض البطالة، وما إذا كان هذا النمو يتسم بالديمومة، وكيف يمكن المحافظة عليه. وهناك الكثير من التساؤلات التي تحتاج إلى قراءة متأنية للخروج بحلول موضوعية لاقتصاد ينمو وينتعش في وقت تعاني فيه أكبر قارتين في العالم (أوروبا وأمريكا) شبح الركود.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية