حاجتنا إلى الوقف العلمي والتقني

قد لا يدرك بعض الناس، أهمية الوقف، ولا فقهه،‏ ولا الغرض منه، ولا حتى أنواعه! وكيف يمكن توظيفه؟ وبالتالي دوره في خدمة المجتمع؟ والبعض الآخر يعتقدون أنه حكر فقط على أملاك الدولة دون مشاركة أفراد المجتمع الأهلي الذي يعبّر عنه رجال المال والأعمال والمستثمرين من أهل الخير، والصلاح بمجتمعاتهم‏.
يعني الوقف حبس ملك في شكل نقود أو أرض أو عقار، أو أي مشروع إنتاجي له عائد، ينفق منه على ما وقف له، كما أنه يطلق على المنع؛ لأن الواقف يمنع التصرف بالموقوف. وأما في اصطلاح الفقهاء، فقد عُرِّف الوقف بتعريفات متنوعة؛ وأقربها لمعنى الوقف، ما ذكره ابن قدامة أنه: ''تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة''؛ وهذا التوصيف اللغوي والفقهي لابن قدامة، مُقتَبس من قول أفصح البشر لسانًا وأبلغهم بيانًا، رسول الإنسانية نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - حينما سأله الفاروق عمر بن الخطاب عن أرض أصابها بخيبر، فقال له: ''إن شئت حبستَ أصلها وتصدّقتَ بها''؛ فالوقف وفقًا لهذا النص إنما يعني، عدم التصرّف في الأصل الموقوف والتصرف في عوائده واستثماراته في مجالات البر والإحسان، حيث يحثنا ديننا الحنيف على الوقف الخيري بوصفه صدقة جارية، للواقف؛ ليجني الفقراء والمحتاجون، والمعوزون ثمارها إلى يوم الدين ...، ومن بين أنواع الأوقاف الخيرية التي يدعو إليها، الوقف التقني والعلمي، وفيه يوقف المُحسن ماله، ويوظّفه لأجل تحقيق التقدم العلمي والتقني، بما يؤدي إلى تنمية علمية، وتقنية واجتماعية واقتصادية مستدامة في مجتمعاتنا، بعدما اتسمت الثورات العلمية والتقنية المتلاحقة بالسرعات المتلاحقة، فضلاً عن قدرتها على التغلغل في مختلف جوانب النشاط الإنساني، باتت معها كل أمة تريد ازدهارًا، وتسعى إلى التطور الإبداعي التقني، عدم الركون إلى الهدوء والدعة، وإلا تجاوزها الزمن؛ ولمَ لا؟ فلأهمية هذا الوقف وجدواه العلمية والتقنية والاجتماعية والاقتصادية، نقلت الحضارة الغربية تجربة الوقف عن ديننا الإسلامي، وعملت على تسخير أدواته التقنية؛ لتحقيق معدلات أسرع للنمو الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا الخصوص، فقد اطّلعت على تجربة مؤسَّسية فريدة، والمتمثّلة في المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا، وهي منظمة دولية وإقليمية ذات شخصية اعتبارية، مستقلة غير حكومية وغير ربحية، ساهم في إنشائها العلماء والباحثون من داخل الوطن العربي وخارجه، وكذلك ممثلو مراكز علمية دولية وعربية وغيرها من المنظمات؛ وتضم هذه المؤسّسة الفتية، ستة فروع، وتسعى إلى تأسيس فروع إضافية ومكاتب ارتباط لها في العواصم العربية والعالمية التي تضم هيئات علمية مستعدة للمشاركة في أنشطة المؤسسة، كما تمتلك المؤسّسة شبكة عمل يشترك فيها (13000) عالم ومهندس ورائد تقني عربي، ولها أنشطة تعاون مع أكثر من (400) هيئة دولية، تسعى إلى دعم المجتمع العلمي والتقني في مختلف المجالات والتخصصات؛ وحيازة المعرفة من خلال تسجيل براءات الاختراع حسب النظم الدولية وذلك للمحافظة على مخترعات علمائنا؛ وتقديم المساندة والدعم لكوادرنا العلمية وكفايتنا الأكاديمية العربية من الخبراء والمختصين في ظل المخاطر والظروف الاستثنائية؛ وإدارة وتمويل البحوث التي تنتهي بإنتاج منتجات ريادية وتأتي بتقنيات متطورة؛ المشاركة ودعم البحوث العلمية المستنبطة من القرآن الكريم والسنة النبوية وتحويلها لمشاريع إنتاجية؛ ودعم بحوث تطوير منتجات علمية ذات الجدوى الاقتصادية؛ ودعم برامج تطويرية صناعية قائمة؛ والمساهمة في دعم وتطوير التقنية لتنمية المجتمعات العربية الفقيرة. ويقتصر عمل هذه المؤسسة الحضارية العربية في الاستثمار في التقنية؛ ومنح البحث والتطوير العربي؛ والبحوث المشتركة من خلال دعم الخبرات العربية وتنسيق الجهود المبذولة في البحوث العلمية المشتركة المنفذة في مراكز بحوث مختلفة؛ وكذا التواصل مع المجتمع العلمي، بتوفير مناخ يشجع على الإبداع والتواصل الصريح والتدفق الحر للأفكار والمواهب. واتساقًا مع توجهها الشرعي، والعلمي والتقني، شكّلت المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا، بوصفها الناظر على الوقف هيئة مستقلة للوقف من علماء الشريعة وعلماء التقنية، تقوم بالإشراف على أعمال الوقف وتحديد الجهات التي ينفق فيها. جزى الله الإخوة القائمين على هذا المشروع التنموي الوقفي الإسلامي العظيم، كل خير، وجعله في موازين أعمالهم.
ما أحوج مجتمعاتنا العربية إلى تعميم مثل هذه التجربة الحضارية والعلمية الفريدة، وتنويعها وحثّ المستثمرين ورجال المال، والأعمال، وأهل الخير على الاستثمار في هذا النوع من الوقف الخيري، وتخصيص جزء من أملاكهم كوقف تقني وعلمي؛ لنشر الثقافة التقنية، والعلمية ورعاية المبدعين والمخترعين، العاملين في ميادين التقنية بمختلف أنواعها وتوفير الإمكانات اللازمة وتهيئة المناخ التقني لهم؛ لإحداث نهضة، تتقدّم بها بلادنا.. وتنويع العمل في مجالات تقنية أخرى، كدمج العلم بالتقنية خاصة، خاصةً، مجالات التقنية الحديثة، كالنانوتقني؛ والهندسة الوراثية، وليزر الفيمتو، والمعلوماتية الحيوية، وما إلى ذلك، حتى تتحقّق المنفعة العامة لكل فئات مجتمعاتنا، خاصة شريحة الفقراء والمعوزين، والمحتاجين وما هم دون الطبقة المتوسطة.
مثل هذا الوقف العلمي والتقني، يسهم بدرجة كبيرة على سبيل المثال لا الحصر في التوصل إلى تشخيص وعلاج الأمراض الخبيثة والمزمنة والحادة كالسرطانات وأمراض الكبد الوبائي والفشل الكلوي والزهايمر... ونحو ذلك.
لذلك ما زلنا نتطلع إلى أدوار مستثمرينا ورجال المال والأعمال، لدعم وإنتاج الوقف التقني، لإحداث نهضتنا، والإيمان بأن القوى الفاعلة والمؤثرة في مسيرة العمل العربي لن تتحقق إلا بالعلم والتقنية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي