تحتل حركة النقل بالقطارات إحدى أولويات البنية الأساسية للتنمية في العالم؛ فقد شكلت منذ بداية عصر البخار الدعامة المؤثرة في انتقال البشر والبضائع في كل الأوقات مثلما لعبت دورها المهم جداً في أوقات الحروب لنقل الجيوش والعتاد الحربي، لكننا في السعودية ما زلنا تفصلنا مسافة في مدى الإنجاز في هذا المجال، سواء في عدم انتشارها على خريطة الوطن أو في مدى سرعة سير الموجود منها، وهو القطار اليتيم منذ عقود بين الرياض والدمام، فضلاً عمّا تبيّناه من سلبية عدم وجودها في أثناء حرب الخليج في الاضطرار إلى النقل المكثف للعتاد العسكري وأفراد الجيش عبر الطرق البرية السريعة مع كل ما عناه ذلك من استهلاك وقت طويل وأعطال وإضرار بالطرق وحوادث وسواها.
إن توجّه وزارة النقل إلى تنفيذ خطة في مجال شبكة الخطوط الحديدية بين المناطق ودراسة جدوى إنشاء قطارات للأنفاق في المدن، توجه استراتيجي طال انتظاره، لكننا سعدنا به كما سعدنا بخبر تشغيل القطارات الجديدة بين الرياض والدمام في زمن لا يتجاوز ثلاث ساعات، وفي عربات على مستوى من الفخامة والرفاهية.. مع قابلية السير في اتجاهين متعاكسين دون حاجة للدوران.
غير أن السؤال الجوهري الذي يظل ملحاً: لماذا السير بسرعة 200 كلم في الساعة فقط؟ وهل هو مبرر في أن هذا بسبب كونها تسير بالديزل؟ أو أن لذلك علاقة بطبيعة قضبان السكة الحديدية ودرجة مقاومتها، بل حتى ولو قيل إن هذا يحقق الرغبة في تغطية عدد من المحطات؟ ومع وجاهة كل هذه الأسباب وغيرها مما قد يكون في حسبان وزارة النقل والمؤسسة العامة للخطوط الحديدية يظل كل هذا التعليل لا ينسجم مع التخطيط بعيد المدى للتنمية، حيث لا يعدو هذا الإجراء سوى ترحيل المشكلة إلى المستقبل؛ لأن هذه السرعة تعني أنه ما من فرق كبير بين السفر بالقطار أو السيارة، وبالتالي لن يحد من كثافة قيادة السيارات واستهلاك الطرق البرية السريعة وما ينجم عن ذلك من حوادث، بل إن هذه السرعة لا تشكل إغراءً للناس لكي يتخلوا عن سياراتهم الخاصة طالما أن هذه القطارات لم توفر لهم المدة الزمنية التي يمكن أن يستغني المرء بسببها عن سيارته وعن امتياز كونها تحت تصرفه للتنقل بدلا من الاستئجار الذي كان سيلجأ إليه راضياً لو أن الترحال بالقطار بمدة وجيزة.
فهل كان بالإمكان ألا نعيد اختراع العجلة ونبدأ في تسيير قطارات جديدة بسرعة تجاوزتها معظم البلدان المتقدمة؟ فهذه السرعة كانت نموذجاً تقليدياً تخلت عنه أغلب الدول إلى سرعات تصل 500 كيلو متر في الساعة، وأخرى فائقة جداً نموذجها قطار الطلقة، في اليابان، ونظن أن هذا هدف طموح كان ينبغي أن تأخذ به وزارة النقل والمؤسسة العامة للخطوط الحديدية في سياسة حركة النقل بالقطار في المملكة، وهو إن كان متعذراً بنموذجه الياباني فقد لا يكون كذلك في اعتماد سرعة مميزة، وحتماً سيتطلب الأمر تأهيلاً فنياً لطبيعة السكك الحديدية بمواصفات جديدة، كما قد يقتضي تحولاً من الديزل إلى الكهرباء وربما غيره من البدائل، وبما يحدث تحولاً استراتيجياً لحركة قطاراتنا التي نتطلع إليها، وكان يمكن من أجلها استهداف هذا النمط من السرعة العالية في التشغيل بالتأجيل ريثما يتم الوفاء بشروط هذه النقلة النوعية؛ لأن هذا هو المهم الأهم، وليس الارتهان للأسلوب التقليدي بطاقة الديزل المحدودة والسرعة الناجمة عنه أو لعائق عدم مناسبة القضبان للسرعات الحديثة.. أما أناقة العربات وفخامتها وحداثة الشكل والتجهيز، فأمرها مفروغ منه!!
إننا ونحن نشكر ونقدر لوزارة النقل، والمؤسسة العامة للخطوط الحديدية هذا الجهد من العمل والإنجاز، إلا أننا نتمنى لو أنها بدأت من حيث انتهى الآخرون؛ لأن هكذا إنجاز "سرعة 200 كلم/الساعة" سيظل في النهاية كما أشرنا مكلفا، يحل إشكالاً راهناً حلاً مؤقتاً، لكنه في الوقت ذاته يقوم بترحيل المشكلة إلى المستقبل، خصوصا مع ازدياد الحراك السكاني بزيادة عدد السكان وبزيادة فعاليات التنمية وبزيادة وعي الناس بمخاطر الطرق البرية.
إننا دولة بمساحة شاسعة أشبه بقارة، لديها مواقع هائلة لمصادر الإنتاج الطبيعي والصناعي والزراعي والتجاري، وهي أحوج ما تكون لشبكة من السكك الحديدية تمتلك قطاراتها قابلية السير بسرعة عالية بين محافظات مناطقها، وهو تطلع حين يؤخذ في الاعتبار، سيعمق ويوسع النشاط الاقتصادي والاستثماري، علاوة على أنه يفك الاختناق والازدحام على النقل الجوي وعلى النقل البري، فضلاً عن أن توافر قطارات سريعة سيسهم إلى حد كبير في استثمار كل فرص التعليم والعمل في أي منطقة، بل يخلق مزيداً منها.
