إن رحيل شخصية قيادية عادة ما يترك فراغاً ويربك قيادة البلاد في أي مكان من العالم، لكن حين يكون الراحل شخصية محورية في تاريخ الوطن والمنطقة والعلاقات الدولية، وهو ما هو عليه سمو ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز – رحمه الله – فإن أبعادا تتضافر لإبراز فداحة هذا، الفقد.. وهي أبعاد مؤسسية وإنسانية لا تقف عند دور الراحل كقائد سياسي أمضى عمراً مديداً في تكاليف الحكم والمسؤوليات الجسام منذ كان فتياً يعاصر أشقاءه الملوك في ترسيخ دعائم تنمية البلاد وأمنها وسلمها الاجتماعي، سواء فيما يوكل إليه من أدوار رسمية في هذا الشأن أو ذاك أو فيما تقلده من مناصب: أميراً للرياض، وزيراً للزراعة، وزيراً للمواصلات إلى أن تم إلقاء ثقل مسؤولية الدفاع عن الوطن وحمايته عليه وزيراً للدفاع والطيران ومفتشاً عاماً للطيران ونائباً ثانياً ثم ولياً للعهد فضلاً عن رئاسته اللجان وهيئات ومجالس إدارات أساسية، بل إن هذه الأبعاد تجاورها أبعاد تتصل بسلطان الإنسان، الشخصية الاجتماعية الفذة.
الإطار المؤسسي يحتشد فيه جهد العمل الدؤوب وحرج المسؤولية ودقة المهمة، ما قد لا يدركه المواطن أو المراقب، لأن هذا الإطار معني بوجود عزيز للوطن بكل ما يستدعيه من رعاية ومتابعة وإشراف للسهر على أسباب تقدمه الاقتصادي والاجتماعي والأمني والعمل على صيانة ذلك بمنظومة القوانين والنظم التي تكفل بتحقيقها في الداخل وتأمينها مع الخارج نسيج العلاقات بين المملكة وأسرتها العربية ومحيطها الإقليمي والعالمي. هذا المنظور للإطار المؤسسي الذي كان الفقيد يتحرك فيه، كان فريداً من نوعه، مميزاً في معطياته.. أما انفراده فلأنه احتل مدى زمنياً جاوز ستة عقود، فعاصر أطوار نهضة الوطن بكل تحولاتها كما عاصر زعامات عالمية وقيام دول وتشكيل هيئات ومنظمات عربية، إقليمية، إسلامية، دولية، كان فيها سلطان بن عبد العزيز، حاضراً فاعلاً ممثلاً شموخ المملكة خير تمثيل، في تواصل دبلوماسي لبق صريح حاز به شرف الإعجاب والثقة، بل هرول إليه التقدير حتى في أحلك الظروف حين تعرضت البلاد لتهديد العدوان عليها من مغامرين في الخارج أو من فئات ضالة في الداخل، فقد عرف الراحل أن يعطي لكل فعل ما يناسبه وما يستحقه من رد فعل لا إفراط فيه ولا تفريط.
لكن، في الوقت نفسه كان يوازي هذا الإطار المؤسسي الذي شغله الراحل الكبير بدائب الفعل والعمل وبجدارة الإنجاز، حراك سلطان الإنسان الشخصية الاجتماعية الذي ظل يتلمس احتياجات مواطنيه حتى صارت عبارة: (سلطان الخير) صفة ملازمة لذكره، خصوصاً وهو الذي راد العمل الخيري في مؤسسة سلطان بن عبد العزيز الخيرية بمشاريعها الإنسانية من مستشفيات نوعية تهتم بالإعاقة وبالأمراض المستعصية في مدينة سلطان الطبية في الرياض التي كانت ملجأ لعديد ممن كانوا على حافة اليأس، سواء من أبناء المملكة أو ممن بادر الراحل إلى علاجهم فيها إلى جانب صروحها العلمية الأخرى.. وما المؤسسة والمدينة والصروح العلمية إلا علامات لبحر من سخي العطاء الخير الذي عرف به الفقيد لكل من بلغه الاحتياج لمساعدة، من فقير أو سجين أو مضطر لنفقة علاج أو سفر أو علم.. فقد كان سنداً لا يخذل من لجأ إليه ومنجداً لكل من استغاث به.. وهو إذ يقوم بكل ذلك، يراه مواطنوه بينهم متخففاً ببساطة من البروتوكولات الرسمية جالساً معهم ملبياً دعوة زفاف أو رعاية مناسبة أو احتفال أهل منطقة مثلما يفاجئهم كأول عائد لمريض وأول من يتقدم بواجب العزاء.
أبعاد الإطار المؤسسي والإطار الإنساني لسمو الراحل ولي العهد ما كانت تعمل بمعزل عن بعضها بعضا، وإنما كان قلب سلطان وروحه ومشاعره تمنح العمل والمواقف كل ذاته بحصافة حكمة القيادة وبنبالة السجايا الكريمة.. حتى أحاطت بسموه، فوق كلمات التقدير والإجلال، جوائز عالمية وشهادات دكتوراه فخرية ودروع وأوسمة مثلما أحاطت به من قبل ومن بعد قلوب أبناء شعبه وبادلته حباً بحب. وهي وقد فجعت اليوم بفقده ترفع الأكف ضارعة لله سبحانه أن يجزيه عن كل ما قدم خير الجزاء وأن يسكنه فسيح جناته.
