بوادر تشكل عالم متعدد الأقطاب بعد تراجع القوة الأمريكية

|
النظام العالمي، مفهوم سياسي، يتجدد في منعطفات تاريخية كبرى، ربما تشكل هيمنة طبقة اجتماعية جديدة أحد معالمه، كما في الانتقال من نظام الإقطاع إلى العالم الرأسمالي، بعد انتصار الثورة الصناعية. وكانت الثورتان الفرنسية والإنجليزية بعض تعابير هذا الانتقال. في العصر الحديث، دخلت الإيديولوجيا كعنصر آخر في صناعة النظام العالمي. حدث ذلك بعد انتصار البلاشفة ووصول الشيوعيين للحكم في روسيا. ارتبط النظام العالمي الذي شيد في نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، بنتائج الحرب الكونية الأولى. وخلالها بلغ البريطانيون والفرنسيون قمة صعودهم بعد هزيمة ألمانيا وتركيا. وصاغت تلك النتائج المقدمات لصعود نجم الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. وأدت نتائج الحرب الكونية الثانية، واكتشاف السلاح النووي إلى تسلم هاتين القوتين زمام عرش الهيمنة على العالم دون منازع. وكان ملمح النظام الدولي، الذي انبثق بعد الحرب الكونية الثانية، قد اتسم بأبعاد إيديولوجية واقتصادية وسياسية مختلفة. انقسم العالم إلى معسكرين: رأسمالي واشتراكي. استمر هذا النظام قرابة أربعة عقود، وانتهى بنهاية الحرب الباردة وسقوط حائط برلين. ليتعبه نظام جديد بدأ، كانت حرب الخليج الثانية، قد أكدت ولادته. والآن نحن على أعتاب حقبة جديدة، هي ما نهتم في هذا الحديث بتحديد أهم معالمها. إذن فالتاريخ كما رأينا حركة وتعاقب، إمبراطوريات تستنفذ دورها، وتحل أخرى محلها. وهي بالدقة كما وصفها القول العربي المأثور ''لو دامت لغيرك ما آلت إليك''. وكان العلامة ابن خلدون قد شبه الدورات التي تمر بها الدول بالدورة البيولوجية للكائن البشري. عصبية وعمران وشيخوخة فاضمحلال. هكذا كان التاريخ الإنساني دائما وأبدا، ومن خلال هذا الرصد نشأت نظريات الدورات التاريخية، بكل تشعباتها. تقودنا هذه المقدمة إلى ما يجري حاليا من تغيرات في العلاقات الدولية، وفي موازين القوة. ويمكننا القول إن ملامح التغيير في الخريطة السياسية الكونية بدأت تفصح عن نفسها ببطء منذ سنوات عدة. لقد تمددت الإمبراطورية الأمريكية، وأصبحت قواعدها العسكرية توجد على امتداد جميع القارات، بما يعني زيادة هائلة في الأعباء والتكلفة، بما ليس في طاقة الخزينة الأمريكية مقابلتها. وإذا ما انطلقنا من المسلمات التي تحكم صعود الإمبراطوريات وهبوطها، أمكننا القول إنه كلما تضاعفت مسؤوليات الدول وتوسعت في مشاريع الهيمنة، تضاعفت طموحاتها في المزيد من التمدد. ولأن لكل بداية نهاية، وليس بعد الاكتمال سوى النقصان، فإن الولايات المتحدة، مآلها الانكماش والاضمحلال. وبإمكاننا التقرير أن أحداث 11 سبتمبر 2001، هي نقطة التحول في الخط البياني، لنفوذ القوة الأمريكي، الذي برز بقوة بعد الحرب العالمية الثانية، وظل هذا الخط في صعود حتى لحظة الكارثة في سبتمبر 2001. إثر ذلك الحدث، بدأ الخط البياني الصاعد تغيير اتجاهه إلى الأسفل. وليس على المرء سوى تصور حجم الأموال التي هدرت في حربي أفغانستان والعراق، وفيما يعرف في الحرب العالمية على الإرهاب، وعمليات الاستنزاف التي تبعت الحربين، ليدرك مدى خسائر الخزانة الأمريكية، ولتتكون له صورة أوضح عن الأزمة الاقتصادية الحادة التي مر بها العالم، التي كشفت عنها أزمة الرهن العقاري. ليس استنتاجنا هذا رجما بالغيب، بل يستند إلى تقارير اقتصادية ووثائق نشرتها معاهد استراتيجية أمريكية، فقد كشفت مراكز الأبحاث الاستراتيجية عن تراجع القدرة الأمريكية على السير ببرنامجها الإمبراطوري، وكان الأبرز بينها تقريرا حكوميا، نوهت عنه محطة اﻠ ''C.N.N''، أشار إلى تراجع نفوذ وقوة أمريكا، راسما صورة قاتمة لمستقبل أمريكي غير مستقر في العلاقات الدولية، مؤكدا أن العالم سيشهد انقسامات واسعة، وتصاعدا في الصراع على الموارد الطبيعية. إن الأعباء التي تتحملها الخزانة الأمريكية، هي أكثر بكثير من قدرتها. وكانت إدارة الرئيس أوباما تواجه هذا العجز باستمرار، بمزيد من الاقتراض، من دول عدة في مقدمتها الصين الشعبية. إن ما يهم في هذه القراءة، ليس مناقشة تراجع القوة والنفوذ الأمريكيين، لكن تداعيات ذلك التراجع على الخريطة السياسية الكونية، وعلى طبيعة التحالفات العسكرية والسياسية والاقتصادية بين الدول، ومن ضمنها بلداننا العربية. وفي هذا السياق، نلاحظ مجموعة من الحقائق: أولى هذه الحقائق، أن الإدارة الأمريكية منذ عهد الرئيس دوايت أيزنهاور في الخمسينيات من القرن الماضي، اعتمدت سياسة الباب المفتوح. وهي سياسة أريد بها كسر احتكار الاستعمار التقليدي، وتحديدا البريطاني والفرنسي للهيمنة على المناطق والمعابر الاستراتيجية العالمية. وجرى تبني منطق الإزاحة بوضوح، بعد فشل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. وخلال فترة الحرب الباردة، حظيت أوروبا الغربية بحماية المظلة النووية الأمريكية، مقابل تفرد الأمريكيين بصناعة القرار في العالم الرأسمالي. كان أحد معالم الحرب الباردة سيطرة الأمريكيين والسوفيات على صناعة القرار الدولي، ووجود أوروبا بشطريها الغربي والشرقي، كستلايت تابع للقوتين العظميتين. وكان وجود قوتين عظميين عامل ترصين في العلاقات الدولية، رغم أن تلك الفترة لم تخل من حروب عقائدية واقتصادية وسياسية، كان أشرسها الحرب الكورية، والانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية والحرب في الهند الصينية والصراع العربي - الإسرائيلي. انتهت الحرب الباردة بسقوط جدار برلين، ليتبعه تفتت المعسكر الاشتراكي، وبروز ما يطلق عليه الإعلام الأمريكي، ربيع أوروبا الشرقية. وتزامن ذلك مع تصاعد الاستعمار القومي وطغيان مطالب الانفصال في عدد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا السابقة، وانهيار الإمبراطورية السوفياتية. كان الملمح الأهم في معظم هذه التحولات، أنها تمت بطرق سلمية، باستثناء الحروب التي شهدها اتحاد الجمهوريات اليوغسلافية. وكان الانهيار المدوي للاتحاد السوفياتي، دون إطلاق رصاصة واحدة حدثا فريدا في تاريخ سقوط الإمبراطوريات. فلم يكن أكثر المتشائمين أو المتفائلين يتوقع أن تسقط القوة العظمى المعروفة بامتلاكها أكبر قوة نووية تدميرية في العالم بهذه السهولة. المعنى الأعمق، للتحول التاريخي، الذي شهدته الخريطة الكونية قبل ثلاثة عقود، أنه ليس من شرط التحولات التاريخية الكبرى اشتعال حروب دموية ينتج منها هزيمة طرف وصعود آخر. وأن بإمكان الكفاح السلمي أن يحقق أهدافا عظيمة دون اللجوء إلى العنف. وكان صمود التجربة الأوروبية وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة طوال العقود الثلاثة الماضية تأكيدا عمليا وواقعيا على صحة هذه الفرضية. وفي كل هذه التحولات كان الاقتصاد هو العامل المتفرد بصنع التاريخ. ولربما يعاود التاريخ مكره بطريقة ''جدلية'' في الحالة الأمريكية، فتكون الأزمة الاقتصادية الأمريكية، عقب إيخل في انهيار الإمبراطورية الأمريكية، كما حدث بالنسبة لإمبراطورية الكرملين. لن يكون بوسعنا الاستغراق طويلا في التفاصيل، وسيكون علينا أن نواصل المناقشة في أحاديث قادمة، لكن بالإمكان في هذه العجالة أن نلاحظ جملة من الأمور التي تؤكد تراجع النفوذ السياسي والعسكري لأمريكا لمصلحة الشراكة الأوروبية، وتعبيرا عن الصعود الاقتصادي الصيني، وعودة الحياة للدب القطبي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، منذ سقوط حائط برلين، احتكرت الإدارة الأمريكية، الهيمنة على صناعة القرارات في مجلس الأمن الدولي، ومارست وحدها حق استخدام الفيتو، ولم يتجرأ أي عضو من الأعضاء الدائمين في المجلس على استخدام هذا الحق، منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، إلى عام 2003، حين هددت فرنسا باستخدام هذا الحق، في حال محاولة إدارة الرئيس بوش استصدار قرار يجيز لها احتلال العراق. يلاحظ في العقود الثلاثة أن معظم قرارات النقض التي اتخذتها الولايات المتحدة كانت لإسناد مشاريع العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني. هذا الأمر لم يعد قائما الآن، فالصين هددت باستخدام هذا الحق وشاركها الروس في ذلك. وقد حال هذا التهديد دون صدور قرار من مجلس الأمن الدولي روجت له الولايات المتحدة وحلفاؤها في أوروبا لفرض عقوبات على سورية. والأمر ببساطة، بالنسبة لكل الأطراف، ليس له علاقة بحماية حقوق الإنسان كما تزعم الإدارة الأمريكية وحلفاؤها ولا بالدفاع عن سيادة سورية كما يطرح الصينيون والروس، لكنه صراع من أجل الحفاظ على مناطق النفوذ، وهو صراع يستمد شرعيته ليس من مبادئ الأمم المتحدة وقوانين العدل، لكن من صراع الإرادات وتوازنات القوة. يلاحظ أيضا تنامي الدور الأوروبي الغربي في السياسة الدولية، وبشكل خاص الدور الفرنسي والإيطالي الذي برز بوضوح في هجوم الناتو على نظام العقيد الليبي معمر القذافي. وهذا الدور، كان حتى وقت قريب ملحقا بالسياسة الأمريكية. ذلك يعني مغادرة لسياسة الإزاحة وعودة إلى مفهوم الشراكة، وتشريع التنافس بين القوى العظمى، حتى إن لم يكن على قدم المساواة. من جهة أخرى، تعيد روسيا الاتحادية ترتيب أوراقها، وتحاول الدخول بقوة إلى مسرح التنافس الدولي. وفي هذا الصدد، تشير صحيفة ''موسكوفسكي كومسوموليتس'' الروسية إلى تصريحات رئيس الحكومة فلاديمير بوتين عن النية في تحقيق تكامل اقتصادي مع الجمهوريات السوفياتية السابقة، بما يسهم في تلبية المصالح الوطنية الروسية. ودخلت موسكو وأستانا ومينسك في اتحاد جمركي باشر عمله. وتعمل الإدارة الروسية بشكل حثيث على توسيع مساحة هذه السوق، بضم كييف وأوكرانيا، وإذا ما تحقق ذلك فإننا إزاء سوق جديدة، تعمل على التنافس مع الاتحاد الأوروبي، لتضيف إلى المتغيرات التي تجري، على الصعيد الكوني، في توازنات القوة، عنصرا آخر. وتبقى القراءة محاولة أولية لاستشراف المستقبل والتنبؤ بالقادم في العلاقات الدولية، وهي محاولة في حاجة إلى وقفة أخرى للمزيد من التأصيل والتحليل.
إنشرها