يبحث هذا الكتاب الذي يصدر سنويا منذ عام 1981 أبرز التغيرات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية والبيئية عبر 50 مقالة نقدية، تسمح للقراء بالجمع بين أحداث مستقلة عن بعضها ظاهريا وإدراجها في سياق شامل، وفي تقرير هذا العام تركز الدراسات على المحاولات الهادفة إلى إيجاد التوازن على الساحة الدولية عقب الأزمة العالمية والضغوط التي تمارسها القوى العظمى (الولايات المتحدة وروسيا والصين) على المستوى الدبلوماسي وعلى مستوى النفوذين الاقتصادي والسياسي، وتركز دراسات أخرى على مسائل الجوع والفقر والهجرة والتغير المناخي، وتعالج مقالات قضايا إقليمية في إفريقيا وآسيا.
وقد وزعت هذه الدراسات في خمسة محاور: علاقات دولية جديدة، ومسائل اقتصادية واجتماعية، ومجتمعات وتنمية بشرية، وبيئة وتكنولوجيا حديثة، ورهانات إقليمية.
علاقات دولية جديدة
عرضت في هذا المحور مجموعة من الدراسات، مثل القوى الناشئة وتأثيرها المستقبلي في النظام العالمي، لكارلوس ميلاني، وفرص الأمم المتحدة للنهوض من جديد لدلفين بلاسيدي، والعدالة الوطنية والعدالة الدولية في معركة حقوق الإنسان لمونيك شوميليه، والمناورة الدبلوماسية والاقتصادية في إفريقيا لفيليب ليماري.
في مقدمته الشاملة للتقرير يلاحظ برتران بادي لبس القوة الأمريكية الفائقة، فالسياسة التي يتبعها أوباما تتصف بالحذر والغموض، وكشف الواقع عن تتالي مبادرات لافتة وشجاعة ولكن فعاليتها تبقى غير مؤكدة، وقد تزامن سقوط اليمين الجديد في الولايات المتحدة مع ظهور رؤى جديدة لم تؤدّ مع ذلك إلى بنية مفهومة ولا حتى نموذج بديل، فيما تبين أن ذلك ضروري منذ انهيار جدار برلين، إذا لم يتمكن أحد فعليا من أن يحدد ماذا حل بالنظام الدولي،.. فيما بعد تولى الأمر المثقفون، ولكن بشيء من اللبس، وقام ليبراليون مقربون من أوباما في الغالب بتجديد طوعي لثقتهم بمبدأ التدخل وبمبدأ نشر الديمقراطية المرتبط به.
وخلافا لذلك تدور أوروبا في فلك آخر، فهي تختبر بألم الفشل المتأتي من أزمة حادة عرفها تكاملها، ومن انهيار أصاب ديمقراطيتها الاشتراكية، ووصل الأمر إلى إضعاف خطابها السياسي أو تجفيفه، وارتبكت أمام المتطلبات الجديدة التي تفرضها العولمة، كما قادتها نحو مخططات أيديولوجية واستراتيجية شبه محافظية جديدة واهنة ومطلقة، تفتقر إلى الحد الأدنى من الجهد.
ويقول برتران باي إن الأزمة التي يعيشها الاتحاد الأوروبي هي الأخطر بين كل الأزمات التي عرفها وواجهته على امتداد عملية التكامل التي بدأت غداة الحرب العالمية الثانية، فتوحيد العملات جرى فيما كانت حالات العجز تتفاقم، وأخطر الأزمات المالية تلوح في الأفق، وجرى توسع مذهل عندما كان الاتحاد الأوروبي يبحث عن صيغة جديدة تعمق شروط تكامله، وتردد الاتحاد حيال السياسة الخارجية المشتركة حينما كان الزعيم الأمريكي يزداد تمسكا بالراديكالية، وأجري تجديد مؤسسي فاشل كان يفترض به أن يحصل حتى بما يعاكس حكم الرأي العام عليه،.. وتحولت أوروبا إلى آلة لبعث القوميات في أحلك لحظات الأزمة المالية والاقتصادية، واكتشفت أوروبا مع تفاقم الأزمة أنها مفرطة في كبر مساحتها، وشدة تنوعها، وانعدام تجانسها، وباختصار اكتشفت أن صيغة التكامل بحدّ ذاتها اعتمدت دوافع أخلاقية أكثر منها عملية.
وفي الواقع لم يستعد الاتحاد الأوروبي عافيته من الأزمة العراقية التي قسمته إلى قسمين، وأمام النزاع الإسرائيلي الفلسطيني والحرب في أفغانستان وحرب دارفور يجهد الاتحاد في شق طريقه، وأمسى خياره الوحيد في هذه الأجواء أن يلعب لعبة التبعية للدولة العظمى، وهكذا أصبح حلف شمال الأطلسي على امتداد السنوات الإطار الوحيد الذي يستطيع الاتحاد الأوروبي من خلاله أن يتعرف على نفسه، ولا سيما أن التطور الذي طرأ على الخرائط تدريجيا إلى تطابق لافت أكثر فأكثر بين حدود الاتحاد الأوروبي وحدود حلف الأطلسي.
وأظهر التاريخ أن الطبقات الوسطى الجديدة لا تشكل قاعدة اجتماعية تتمتع بالقوة والوفاء والقدرة على التعبئة التي كانت تملكها الطبقة العمالية، والأسوأ من هذا أن الطبقة العمالية تركت وحدها في أزمة وخوف، ما أعاد توجيهها نحو اليمين الشعبوي، واليمين المتطرف الكاره للأجانب،.. كان هذا التطور صارخا في إيطاليا برلسكوني وفي فرنسا ساركوزي.
وخرج الغرب من الخريطة، وانتقل من الجغرافيا إلى السياسة المحضة لكي يضم اليابان وأستراليا ونيوزيلندا وإسرائيل، وابتعد عن أمريكا اللاتينية.
وهكذا تبدو المعادلة في نظر بايدن: ابتعاد أوروبي عن النموذج الديمقراطي الاشتراكي تفسح مجالا أوضح وأكبر لليبرالية الجديدة، وتعيد توظيف إمكاناتها في المساحة الأطلسية وفي بناها العسكرية، وإذ تعيد تشكيل نفسها في عملية بحث شديدة عن الهوية تتجه نحو غربية منشطة، وإذ تتمايز عن محور شرقي يربط بين موسكو وبكين تظهر توجها أرستقراطيا وتنمويا يقودها إلى إعادة تأكيد مرجعية أخلاقية بالنسبة إلى عالم يعتبر في طور انتقالي.
يأتي ذلك في الوقت الذي تبدأ الولايات المتحدة عملية بحث جديدة وتراجع محافظتيها الجديدة القديمة، أو تدخل عليها تعديلات بسيطة، ويتناقض السيناريو الذي يدور في أوروبا مع القوى الناشئة، فالبرازيل تنتهج استراتيجية انفتاح على العالم الغربي وإفريقيا، والصين غير المتحمسة للمشاركة في الدبلوماسية العالمية، ولكنها تثبت وجودها في كل مكان تقريبا في قارات الجنوب، إذن ثمة تنافس جديد بين القوى القديمة والقوى الناشئة.
هل تغير القوى الناشئة النظام العالمي؟
يتساءل كارلوس ميلاني، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ريودي جانيرو، ويلاحظ أن هيمنة أمريكا الشمالية والليبرالية الجديدة تتسبب في أزمة تعيد تنشيط التنافس بين الدول، وربما تفضي إلى إعادة توزيع السلطات الاقتصادية والسياسية بين أمريكا الشمالية وأوروبا والصين وروسيا وبعض الدول الناشئة مثل الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وتركيا.
لقد زادت صادرات الصين في السنوات القليلة الأخيرة لدرجة مكنتها من زيادة فائضها الاقتصادي من 25.5 مليار دولار عام 2003 إلى 261.8 مليار عام 2007، وتضاعفت تجارة تركيا العالمية بين عامي 2004 و2008، وزادت الصادرات الروسية باطراد وتضاعف فائضها التجاري، ونجحت الهند في تنويع شراكاتها التجارية، وتراجعت حصة دول الشمال في الصادرات البرازيلية في الوقت الذي تزيد حصة الدول النامية.
وبحسب التوقعات، فإن الدول السبع الناشئة (الصين والهند والبرازيل وروسيا وإندونيسيا والمكسيك وتركيا) سيكون اقتصادها أهم من دول السبع الحالية، سواء قيم بالدولار أو القوة الشرائية، وتسجل الصين والهند حضورا متزايدا في الجغرافيا السياسية في جنوب شرق آسيا وفي إفريقيا والشرق الأوسط، وتعد البرازيل المنتجة الأولى عالميا في مجال الطاقة المستمدة من الإيثانول (تليها الولايات المتحدة ثم الصين والهند وفرنسا) وتسجل البرازيل تقدما تكنولوجيا وقدرة هائلة على توسيع إنتاجها من دون الإضرار بأمنها الغذائي، وتتزايد الصادرات الآسيوية إلى إفريقيا بمعدل 18 في المائة سنويا منذ عام 2000، وتعزز الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا أدوارها الإقليمية والجغرافيا السياسية، وقد وقعت البرازيل وجنوب إفريقيا اتفاق تعاون في مجال الدفاع عام 2001، وأنشأت البرازيل والهند هيئة دفاع مشتركة.
مسائل اقتصادية واجتماعية
يناقش في هذا المحور كل من ميريام ديزير، وريجي جانتي وأنطوان جاكوب مسائل متعلقة بروسيا ودول البلطيق، التحولات الحقيقية والكاذبة وضبط طريق الهيدروكربون في روسيا، وانقراض نمو البلطيق، ويناقش فرانشيسكو فيرغارا موضوع الاقتصاد العالمي والتشخيصات المتناقضة حوله نموه الواهن، ويناقش أكرم بلقايد نموذج دبي وتحدي الأزمة والهوية.
مصير الصحافة المطبوعة
تبدو الصحافة المطبوعة وكأنها متجهة إلى الاختفاء، وقد يكون ذلك من أهم مؤشرات التحولات الكبرى التي تجري في العالم اليوم، فتلاحظ ماري بانيلد، الصحافية في ''لوموند دبلوماتيك'' أن الصحافة المطبوعة شهدت تراجعا كبيرا في إيراداتها الإعلانية، ويقدر بأن السوق الإعلاني العالمي للصحف فقد في عامي 2008 و2009 أكثر من 38 مليار دولار، وتقدم الإعلان على الإنترنت بزيادة مقدارها 12 مليار دولار، وتراجع انتشار الصحف اليومية في فرنسا في عام 2009 بنسبة 4.9 في المائة، وانخفضت نسب توزيع الصحف العالمية الكبرى مثل ''واشنطن بوست''، و''نيويورك تايمز''، و''يو إس تودي''،..ولكن النسخ الإلكترونية للصحف تسجل ارتفاعا في جمهورها، وبرغم ذلك، فإن النموذج الاقتصادي للصحافة الإلكترونية يبقى مهددا بالخطر.
لقد انخفض عدد الوظائف في الصحافة المطبوعة من 415 ألفا عام 2000 إلى 300 ألف وظيفة عام 2009، واضطرت صحيفة ''واشنطن بوست'' إلى إغلاق مكاتبها خارج العاصمة واشنطن، وباعت ''نيويورك تايمز'' قسما من مركزها، واضطرت ''لوس أنجلوس تايمز'' و''شيكاغو تريبيون'' إلى إعلان إفلاسهما.
واعتبر البعض أن إطلاق جهاز ''آي باد'' في عام 2010 فرصة لتجديد الصحافة الإلكترونية، ذلك أنه يسمح بقراءة الصحف وتصفحها كما هي ورقيا، وبذلك تستطيع الصحف أن تتخلص من تكاليف الطباعة والنشر التي تشكل 40 في المائة من نفقاتها، ولكن ربما تسيطر محركات البحث وآي باد على الصحف أو تهيمن على جزء كبير من محتوياتها وإيراداتها، وتوظف مشاركتها للحصول على إعلانات لا تستفيد الصحف منها شيئا.
وبدأت تنشأ صحافة إلكترونية حصريا، وتقدم خدمات إضافية غير النشر مثل التعليم والتدريب والخدمات والتجارة الإلكترونية والمشاركة مع مؤسسات غير ربحية، وعلى أية حال فما زالت الصحف هي المصدر الرئيسي للأخبار، وتتفوق في ذلك على التلفزيونات بنسبة كبيرة، ولكن مهنة الصحافة وصناعة الأخبار والتحقيقات الصحافية تواجه الغموض والتهديد.
مجتمعات وتنمية بشرية
يناقش في هذا المحور كل من ستيفان بارمانتيه قضية الجوع وفرص القضاء عليه، ومالكة يتيم تناقش الليبرالية الجديدة في مواجهة العمل الإنساني، وموضوعات أخرى مثل الإرهاب وصعود القوميات المتطرفة والمافيات في أوروبا.
هل سيختفي الجوع من العالم؟ كما تعهد زعماء العالم في القمة العالمية للغذاء، الواقع يبدو مغايرا للخطة التي تعهد زعماء العالم بتنفيذها وحددوا عام 2015 موعدا لإنجازها، فيبلغ عدد الجياع في العالم أكثر من مليار، ويبدو أنهم يزيدون بدلا من أن ينقصوا، وبخاصة بعد ارتفاع أسعار الغذاء والموماد الزراعية في العالم بدءا بعام 2007، ويرتفع أيضا عدد الذين يعانون سوء التغذية، وكان يفترض بقادة العالم الذين اجتمعوا في عام 2009 أن يبحثوا في التدابير الطارئة لتعديل الخطط والاستدراك على البرامج والمشروعات على النحو الذي يقرب من القضاء على الجوع وسوء التغذية، ولكن مسار القضاء على الجوع يصطدم بغياب الإدارة العالمية للأمن الغذائي، فالمبادرات والسياسات التي تكرسها مختلف الهيئات الدولية المعنية بشكل أو بآخر بالقضية والمتنافسة في بعض الأحيان مثل منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعية (فاو) والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، والبرنامج الغذائي العالمي، والبنك الدولي ليست متناسقة أو مترابطة فيما بينها، والأكثر غرابة أن يقوم على سبيل المثال ممثل إحدى الحكومات في منظمة التجارة العالمية بالتعبير عن وجهة نظر مخالفة التي يدافع عنها ممثل الحكومة نفسها في منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة.
وفي المقابل هناك مؤشرات إيجابية ومشجعة، مثل الحرص على تأمين وتنسيق أفضل للمبادرات الهادفة إلى مكافحة الجوع، وتقييم المصلحة من تخزين المواد الغذائية لمواجهة الحالات الإنسانية الطارئة أو الحد من عدم استقرار الأسعار ودعم الإجراءات والبرامج الآيلة إلى ضمان الحماية الاجتماعية وبخاصة للمستضعفين، وتطوير الاستثمار في قطاع الزراعة في البلدان النامية.
مؤلف جماعي
إشراف: برتران بادي ودومينيك فيدال
مؤسسة الفكر العربي، بيروت، 2011، 510 صفحات

