الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 25 مايو 2026 | 8 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

ليبيا الجديدة: الصفح والتسامح

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الأربعاء 24 أغسطس 2011 3:14

نحو 42 عاما عاشتها ليبيا في أطول وأثقل كابوس رهيب واقعي تحت حكم العقيد معمر القذافي، الذي نجح بامتياز في أن يكون أبشع وأشنع طاغية في العالم لا يشبهه في التاريخ الحديث إلا شاوشسكو في رومانيا وأنور خوجة في ألبانيا وسلوبدان في يوغسلافيا وصدام حسين في العراق.. فقد كانت مآثره دموية عنيفة باطشة طحناً سحقاً لعظام زملائه في الانقلاب أو من أبدى أي قدر من الاختلاف معه، فما كان ليسمح في أن يعلو صوت على صوته، ومن لم يطوله السحق والطحن طاله الاغتيال والتصفية الجسدية أو السجن المذل المهين أو التشريد والمطاردة القذرة.

كما نجح القذافي في نهب وتبديد ثروة ليبيا النفطية (نحو ثلاثة آلاف مليار دولار) وغيرها من الثروات في مؤامرات ودسائس وفي هوس مشاريع سياسية وهمية حيناً لوحدة عربية اندماجية بغطرسة القوة، وحيناً بمزاعم الأممية، وحيناً بالولايات الإفريقية المتحدة، أو في ادعاء لرسولية تتنافر بالكامل معه وبتخيل ذاته فيلسوفاً بنظرية ثالثة لا وجود لها إلا في ترهات سطور كتابه الأخضر الذي لم يجلب لليبيا إلا القتل والخراب والفقر والجوع والرعب والغوغائية التي سمّاها اللجان الشعبية أو الثورية وتنطح لخرف كونه بلا منصب في نظام هو اللانظام معربداً في جنون عظمته وشذوذ أطواره وعقده النفسية وهرطقاته وهستيريته في أنه: مقاتل مناضل ثائر من الخيمة، من البادية أو عميد القادة العرب أو ملك ملوك إفريقيا وما إلى ذلك من حالات فصام حادة لغتها وسلوكها الأكثر إبليسية ونكراً في هذا العصر.

أربعة عقود تغوّل فيها العقيد القذافي ليبيا وتغوّل معها العالم أيضاً في دعم العصابات والمنظمات المتطرفة في العالم لتدبير الأعمال الإرهابية تفجيرات راح ضحيتها أبرياء في برلين وفي إيرلندا وبريطانيا وغيرها كان أكثرها هولاً تفجير طائرة ''بان أميركان'' فوق لوكربي في اسكتلندا التي أجهزت على حياة 270 إنسانا.

لم تشهد ليبيا إلا انحداراً مسفا في مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي كانت شكلية اسمية ديكورية دعائية في مواقع محدودة سوى قصوره وقصور أسرته وزبانيته بينما كانت ليبيا تنحدر إلى ما يشبه مستنقع العصور الوسطى فيما موارد نعمة النفط التي وهبها الخالق لهذا البلد الوادع المتدين الطيب محتكرة في كف العقيد حرام على شعبه مغدقة على هيلمانه.

هذا الجو الكابوسي الرهيب المدجج بكلمات العقيد المتشنجة البذيئة الوقحة في طريقه اليوم إلى أن يكون في مزبلة التاريخ تقابله أصوات ووجوه أهل ليبيا بعفويتهم وبساطتهم التي لم تنجح كل تغولات الطاغية في تشويهها رغم كل الممارسات الوحشية وطول أمدها.

وما كلمات السيد مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي التي راحت تلح على الصفح والعفو والتسامح والامتثال للقانون وعدم الانتقام إلا تعبير عن جوهر هذا الشعب الذي قارع الدموية الأمنية بالسلم والغطرسة والغرور بالدعة وبالتواضع.. العالم ثمّن للسيد عبد الجليل دماثة خطابه وسداد كلماته العاقلة عن ضرورة تسييد الصفح والعفو والتسامح والتحلي بضبط النفس وهو تثمين يعكس إعجاب العالم بحسن نية وطيبة وجدان الشعب الليبي ما يشير إلى بشائر ولادة ليبيا الجديدة الحرة المعلية لكرامة الإنسان وحقه في العيش مطمئناً على يومه وغده في وطن يشرفه ويتشرف به.. أو أن هذا هو التحدي والاختبار!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية