تشهد شوارع كل مدننا حتى الصغيرة منها في مساءات رمضان، ازدحامات مرورية غير مألوفة، فإذا كانت المدن الكبرى قد ألفت مثل هذه الاختناقات المرورية ـــ بحكم كثافة السكان، والحركة على مدار العام ـــ فإن الكثيرين ممن يواجهون هذه الاختناقات في المدن الأقل كثافة يتساءلون عن السر في هذه الحركة، وهم الذين لم يعتادوا في سالف أيامهم أن يشاهدوا إشارة المرور تغلق في وجوههم أكثر من ثلاث وأربع مرات قبل أن يبلغوها.
هذه الظاهرة تعيشها مدن القصيم، كما تعيشها الطائف، والجوف، وجازان، ونجران، وحائل، وتبوك، وغيرها من مدن الوطن ومحافظاته، حتى إن الكثيرين باتوا لا يخفون تذمرهم من الخروج ليلاً تحاشيا لتلك الاختناقات المرورية غير المألوفة، وربما تساءل بعضهم من أين هبط هؤلاء الناس وبهذا الاحتشاد فجأة في ليالي رمضان؟ والحقيقة أنه ليس هناك أيّ سرّ في هذه المسألة، وهذه الكثافة التي أول من يتذمّر منها رجال المرور ليست ناجمة في الغالب وفي هذا الوقت بالذات عن وفود مواطنين من مناطق أخرى كما قد يبدو للوهلة الأولى، بدليل أن كل المدن تواجه المعاناة ذاتها، وإنما هي ناجمة عن وقوع شهر الصيام في هذه الفترة بين فكي الإجازة الصيفية، التي عادة ما تحول الليل إلى نهار، ودخول الصيام في أشد الفصول حرارة، وأطولها نهارا، ما يمنع الكثيرين من الخروج نهاراً، وإحالة كل مشاويرهم إلى مشاوير مسائية ما يعقّد الحركة المرورية.
وفي المقابل، هناك فئة الشباب الذين لا يعرفون كيف ينفقون مساءاتهم، أو قد لا يجدون ما ينفقون فيه تلك الأوقات بمعنى أدق، ما يجعلهم يمضون معظم ساعات ليلهم في الدوران في الشوارع، وهي ظاهرة لم تعد تخفى على الجميع، ولكن مع الأسف لم تجد مَن يحاول أن يضعها في مساقها الصحيح.
الأندية الرياضية، وبانتهاء مسابقات الدوري، أوصدت أبوابها، واستكانت لإدارة العقود وجلب اللاعبين وتسجيلهم وإعداد المعسكرات الخارجية، استعداداً للموسم المقبل. والمدارس بانتهاء العام الدراسي أطفأت أنوارها وتحولت إلى قلاع موحشة مساء، وكأنها خارج الحياة، وبالتالي لم يعد هناك أي نشاط يمكن أن يستقطب الشباب أو بعضهم، ليحول بينهم وبين هذا التسكع الذي يجب ألا ننحي باللائمة كلها عليهم، دون أن نتساءل عن دور تلك القطاعات والجهات والمؤسسات التي يُفترض أنها تُعنى بالشباب، سواء في أوقات الدراسة والعمل، أو في أوقات العطل، لأن المسؤولية لا تتجزأ، ورعاية الشباب عمل مستمر ومتواصل أو هكذا يُفترض، ولا يجوز أن تذهب في إجازة لتدعهم لقمة سائغة للشوارع.
هناك الكثير مما يمكن فعله وتحديدا من قبل الأندية الرياضية في ليالي رمضان لامتصاص ولو جزء من ذلك الفائض الشبابي في الشارع ممن يستهويهم النشاط الرياضي، إلى جانب إمكانية عمل نشاطات أخرى مقبولة لا تخدش فضيلة هذا الشهر الكريم واستحقاقاته التعبدية، وفي الوقت نفسه لا تترك الفرصة للانفلات بهذه الكثافة جهة الشارع، الذي لا يجوز أن يكون المكان الوحيد لاستهلاك فائض الوقت.
أيضا مرافق المدارس، خاصة تلك التي تحتوي على مرافق جيدة يمكن هي الأخرى بشيء من التنظيم تحت عين وزارة التربية أن تستوعب الكثير من النشاطات التي تستهوي بعضهم، وتوفر لهم مكانا آمنا لممارسة بعض الهوايات، والنشاطات المفيدة، الأمر يحتاج فقط إلى إعداد برنامج يتشارك فيه القطاعان العام والخاص، ويتجاوز حدود التقليدية، حيث يشترك الشباب أنفسهم في تهيئة برامجه، مع توفير الأدوات اللازمة والمحفزات لجذب الفئات الشبابية إليه.. هذا جزء رئيس من عملية التربية والرعاية الممتدة التي قلنا ونكرر أنها لا يجوز بحال أن تذهب بإجازة مع إجازة الصيف، وهو كذلك خط حماية لإبعاد هؤلاء الشباب عن أي مخاطر محتملة من جراء إنفاق كل هذا الوقت الواقع ما بين صلاة التراويح إلى ما قبل السحور في فراغ لا يملأه غير تعبئة الشوارع، وإعاقة حركة المرور، فشبابنا يستحقون منا أن نظل معهم وإلى جانبهم طوال الوقت، وهي مسؤولية الجميع من الأندية الرياضية إلى التربية إلى القطاع الخاص مثلما نعتقد.
