الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 16 أبريل 2026 | 28 شَوَّال 1447
Logo

هل طريق باكستان إلى الصين مهيأ؟

شاهد جافد بوركي
الأربعاء 6 يوليو 2011 21:34

إن المناسبات الضخمة تفضي في بعض الأحيان إلى عواقب استراتيجية غير مقصودة. ولقد تبين أن هذه هي الحال في أعقاب مقتل أسامة بن لادن في مجمع سكني في أبوت أباد، وهي مدينة شبه عسكرية بالقرب من إسلام أباد عاصمة باكستان.

والحق أننا عندما نعلم أن أشد الرجال المطلوبين في العالم خطورة كان يعيش لمدة ستة أعوام في بيت كبير على بعد خطوات من الأكاديمية العسكرية الباكستانية، حيث تدرب البلاد ضباطها، فإن هذا كاف لاستفزاز ردة فعل كان من المفترض أن يتوقعها الباكستانيون، ولكنهم لم يفعلوا. فقد فوجئت المؤسسة العسكرية والمؤسسة المدنية في البلاد وانزعجتا كثيراً إزاء مستوى الشكوك التي أثارتها الأحداث التي أدت إلى مقتل بن لادن ـــ الذي يعده العديد من الباكستانيين ''شهيدا'' ـــ بل هناك مطالب شعبية متنامية بإعادة توجيه العلاقات الباكستانية مع العالم. وما لم يتحرك الغرب بسرعة فمن المرجح أن تفضي وفاة بن لادن إلى إعادة ترتيب أوراق السياسة العالمية على نحو خطير، وسيكون ذلك مدفوعاً جزئياً بتحول باكستان من المدار الاستراتيجي الأمريكي إلى مدار الصين.

والواقع أنني مررت بتجربة شخصية فيما يتصل بمدى السرعة التي قد تتمكن بها الصين من التحرك عندما ترى ''صديقها في السراء والضراء'' (التعبير الذي استخدمه رئيس الوزراء الباكستاني يوسف جيلاني) في محنة شديدة. ففي عام 1996، عندما كانت باكستان على شفا الإفلاس وفكَّرَت في الامتناع عن سداد ديونها، ذهبت إلى بكين بوصفي وزيراً لمالية البلاد طلباً للمساعدة. والواقع أن السنوات التي أمضيتها في الإشراف على عمليات البنك الدولي في الصين جعلتني على اتصال وثيق مع بعض كبار قادة البلاد، بما في ذلك رئيس الوزراء آنذاك تشو روج جي.

ففي اجتماع في بكين، وبعد أن أبلغني تشو بأن الصين لن تسمح بإفلاس باكستان ما دام رئيساً لوزرائها، أمر بوضع 500 مليون دولار على الفور في حساب باكستان مع بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. ولقد مكن ذلك المبلغ باكستان من سداد فواتيرها، بينما كنت مسؤولاً عن اقتصادها.

ويبدو أن الصين تبنت النهج نفسه اليوم في التعامل مع باكستان، في ظل تهديد الكونجرس الأمريكي بقطع المساعدات عنها. وأخيرا، قام جيلاني برحلة سريعة فوق جبال بكين، ثم عاد حاملاً معه عرضاً بتسليم 50 طائرة مقاتلة لباكستان على الفور. ولقد وعدت الصين بأكثر من ذلك في واقع الأمر. ونظراً لسجل الصين كمقدم للمساعدات لباكستان، فإن هذه الوعود ستتحقق بسرعة.

وفي غضون ذلك، تواصل باكستان دفع ثمن مقتل بن لادن، حيث وجه مؤيدوه ضربات إلى مدينة ليست بعيدة عن إسلام أباد بعد بضعة أيام فقط، فقتلوا أكثر من 80 شخصا. وفي أعقاب ذلك شنوا هجوماً وقحاً على قاعدة بحرية في كراتشي، أسفر عن تدمير معدات باهظة التكاليف، بما في ذلك إحدى الطائرات. وبعد يومين وجه الإرهابيون ضربة ثالثة، فقتلوا نحو عشرة أشخاص في مدينة تقع بالقرب من أبوت أباد، ولا تزال الخسائر في أرواح البشر في ارتفاع، فضلاً عن التكاليف التي يتحملها الاقتصاد.

في 23 من أيار (مايو)، أصدرت الحكومة تقديراً للتكاليف الاقتصادية المترتبة على ''الحرب ضد الإرهاب''، فبلغ الإجمالي 60 مليار دولار، مقارنة بالـ20 ملياراً التي دفعها الأمريكيون كتعويض كما يفترض. والواقع أن نسبة كبيرة من المساعدات الأمريكية الموعودة لم تصل بعد، وخاصة ذلك الجزء الذي كان المقصود منه إنقاذ الاقتصاد من الركود العميق.

وبينما كان جيلاني في بكين، عاد وزير المالية الباكستاني عبد الحفيظ شيخ من واشنطن صفر اليدين. وكان قد ذهب إلى هناك في محاولة لإقناع صندوق النقد الدولي بالإفراج عن أربعة مليارات دولار تقريباً، كان قد احتجزها الصندوق من أصل 11 ملياراً وعدت بها باكستان في أواخر عام 2008 لإنقاذ البلاد من التخلف عن سداد ديونها الخارجية. وكان قرار الاحتجاز الذي اتخذه الصندوق رداً على فشل الحكومة الباكستانية في اتخاذ الخطوات التي وعدت بها لزيادة نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي التي كانت منخفضة للغاية (أقل من 10 في المائة، وهي واحدة من أدنى النسب بين بلدان العالم الناشئ).

والحق أن الصندوق كان مصيباً في إصراره على أن تقف باكستان على قدميها اقتصاديا، ولكن من المنتظر أن يقدم عبد الحفيظ شيخ موازنته لعام 2011/2012 في أوائل حزيران (يونيو)، حيث يرغب في تخفيف العبء عن المواطنين الباكستانيين العاديين. والواقع أن هذا يضع حكومة جيلاني التي لم يتجاوز عمرها عامين في مأزق حقيقي. والواقع أن مدى نجاح عبد الحفيظ شيخ في الموازنة بين مطالب صندوق النقد الدولي واحتياجات المواطنين العاديين لن يحدد اتجاه الاقتصاد الباكستاني فحسب، بل سيخلف تأثيراً هائلاً في الكيفية التي ترى بها باكستان ومواطنوها العالم.

إن التعزية الوحيدة التي تلقتها باكستان من الغرب كانت في هيئة تطمينات من جانب الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في أعقاب الزيارة الرسمية التي قام بها أوباما إلى لندن. ففي مؤتمر صحافي مشترك وعد الرجلان بوقوف بلديهما مع باكستان وشعبها. بل زَعَمَا أن باكستان تشارك بالقدر نفسه الذي تشارك به الولايات المتحدة وبريطانيا في الحرب ضد الإرهاب.

ستستمر باكستان في تلقي المساعدات الأمريكية والبريطانية. ولكن الولايات المتحدة وبريطانيا تجدان صعوبة في التحرك السريع، هذا فضلاً عن الأصوات المطالبة بمعاقبة باكستان وليس مساعدتها في العاصمتين، بسبب أساليبها الملتوية المتمردة. وفي غضون ذلك تنتظر الصين بذراعين مفتوحتين.

خاص بـ ''الاقتصادية''

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2011.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية