في هذه الفترة عادة ما يشد كثير من الأسر الرحال بغرض السياحة سواء في الداخل أو الخارج، أو للشرق أو الغرب. وبسبب الإجازة الصيفية والجو العام الحار الذي يسود الجزء الأكبر من مناطق المملكة، يميل كثير من أفراد المجتمع والأسر إلى البحث عن وجهات في الداخل أو الخارج، بغرض الترفيه والتغيير والترويح عن النفس وإعادة النشاط للإنسان، بعد فترة عمل طويلة خلال العام وبعد عام دراسي للطلاب.
دوافع السياحة كثيرة ومتعددة، وعند الحديث عن السياحة في المملكة وسبب عزوف كثير من الأسر عنها، دائما ما ترد مسألة توفير الخدمات والفارق بين السياحة في الداخل والخارج، ومسألة التكاليف والمصروفات بين السياحة في الداخل والخارج، وكل هذه أمور بلا شك سبب في الجذب أو النفور من السياحة في الداخل.
لكن هناك عوامل قد تكون سببا في عدم تفضيل أفراد المجتمع السياحة الداخلية، وذلك بسبب أن النفس البشرية تفضل التغيير عموما، وهذا ما يفسر أن بعض مواطني الدول الأوروبية يفضلون السياحة خارج بلدانهم، بل إن بعضهم يقصد مدنا مثل دبي في فترة الصيف، إضافة إلى المناطق الاستوائية في الشرق مثل ماليزيا وإندونيسيا، وتايلاند وغيرها. فمسألة تفضيل المواطن للسياحة في الخارج قد تكون مبررة بغرض التغيير.
لكن السؤال هنا: هل المملكة وجهة عالمية مفضلة لدى السائح من الخارج؟ وكيف هو مستوى الرضا العام عن السياحة في المملكة سواء من السائح في الداخل أو من الخارج؟
الحقيقة أن السياحة في المملكة ليست بالأمر الجديد، فإذا ما نظرنا إلى السياحة بمفهومها العام، الذي يشمل السياحة بغرض العبادة مثل ما يحصل في الحج والعمرة، فإن المملكة لها تاريخ عريق في ذلك، ومسألة توفير الخدمات للسائحين قديما وحديثا في مكة منذ أن تم بناء الكعبة، وكانت مقصد الحجاج والعباد قديما وحديثا. واستقبال حجاج بيت الله يتطلب جميع العناصر الأساسية للسياحة في العالم، من توفير السكن المناسب، والخدمات باختلافها في كل عصر والأمن وغيره.
لكن السياحة بمفهومها المعاصر أصبحت تأخذ أبعادا مختلفة ومتنوعة، تناسب اهتمامات شرائح مختلفة في كل مجتمع، والسياحة هي احتياج ورغبة للمجتمعات باختلافها وتنوعها، حيث إنها لا تقتصر على مجتمع أو أمة أو فئة من فئات المجتمع. وبقدر ما تتوافر العناصر الجاذبة لكل فئة، فإن ازدهار السياحة لن يكون مقتصرا على السائح من الداخل، بل إن المسألة ستكون أعم لتشمل السائح من الداخل أو الخارج.
لذلك لا يمكن أن يفسر دائما عزوف الناس في الداخل عن السياحة الداخلية هو فشل، بل إن المدن التي تعد مقصدا سياحيا عالميا، تجد أن سكانها يبحثون عن مدن أخرى لقضاء الإجازة.
لكن في الوقت نفسه: هل السياحة في المملكة تلبي رغبة السائح الذي يقصد هذه البلاد؟ حيث إننا مع الأسف عندما نقارن مستوى إقبال السياح على المملكة نجد أنه ضعيف جدا مقارنة بغيرها من دول العالم، باستثناء الحرمين الشريفين، وهؤلاء السياح في المدن الأخرى هم غالبا من دول مجلس التعاون الذين في الغالب يأخذون المملكة كممر إلى دول الشام أو دبي، وليست مقرا سياحيا. لذلك من المهم أن يكون هناك تقييم مستمر للسياحة في المملكة، والنظر بشكل جاد إلى توفير عناصر الجذب التي تتناسب مع طبيعة السياحة، التي تأخذ في الغالب شكل السياحة المحافظة، التي تعد عامل جذب لكثير من السياح في العالم، لكن هذا العامل لا يكفي عن كثير من العناصر الرئيسة للسياحة.
هناك قضية مهمة ترتبط بالسياحة الداخلية، وهي هل المستهدف هو السائح المواطن أم المواطن والأجنبي؟ فإذا كانت الإجابة بأن كليهما مستهدفان، فما السبب في ضعف وجود إعلانات في الدول الأخرى للسياحة في المملكة، حيث تجد ذلك في مختلف دول العالم لكن لا تجده في المملكة، والأمر الآخر: هل توجد مكاتب في مختلف قنصليات المملكة في الخارج تهتم بالسياحة وتقدم خدمات سياحية كما الموجودة في المملكة لتركيا مثلا؟ ولم لا تجد سهولة أكثر في الحجوزات سواء للسكن وغيره في المملكة من خلال المواقع الإلكترونية؟ فعلى سبيل المثال لا الحصر إذا أردت أن تحصل على حجز في الفنادق أو إحدى الشقق المفروشة في مختلف مدن المملكة، ستجد أن موقعا واحدا مثل Booking لا تجد فيه من الخيارات في مختلف مدن المملكة ما يعادل مدينة واحدة مثل دبي، بل يقل عنها بكثير، فضلا عن مدن أخرى في أوروبا وغيرها، خصوصا عندما نعلم أن السائح الأجنبي في الغالب يرغب دائما في ترتيب الأمور الأساسية مثل السكن واختيار الأماكن التي سيزورونها، بل بعضهم يرتب مسألة التنقل مقدما من خلال بعض الشركات والأشخاص، ويتفرغ للاستمتاع هو وأسرته.
وهذه الأمور بحسب علمي القاصر لا أجدها مفعلة بالشكل المناسب للسائح الأجنبي، لذلك اعتقاد أن نجاح السياحة قائم على المواطن رهان صعب، لذلك لا بد أن تكون هناك استراتيجية لتوفير عناصر الجذب السياحي للسائح من الداخل والخارج.
الخلاصة.. أن السياحة بما تحمله من معان كثيرة أحدها الترفيه، ومن أهمها بالنسبة للمملكة التي لها اليوم أهمية سياسية واقتصادية كبيرة عالميا، نشر ثقافة المجتمع والتواصل بشكل إيجابي مع الشعوب الأخرى، وإبراز جوانب القيم التي يتميز بها المجتمع، التي أصبح لها أثر كبير في المجتمعات المسلمة، خصوصا أننا نجد اليوم تفهما وتفاعلا إيجابيا، من الكثير من الأفراد الذين سبقت لهم الإقامة في المملكة، والسياحة تسهم بدور كبير في ذلك، وهذا يتطلب بلا شك تنسيق الجهود من قبل الجهات ذات العلاقة والاهتمام بتسهيل احتياجات السائح وتهيئة المجتمع للتواصل بشكل إيجابي وفاعل مع مختلف الشعوب.
