(مشاهد من روضة خريم)

تقع تلك الروضة مسافة 100 كيلو متر شمال شرقي مدينة الرياض، وهي تابعة لمحافظة رماح، كانت العرب تسميها إلى منتصف القرن الثامن الهجري بذات الرئال (أفراخ النعام)، أما البادية فكانت تسميها بروضة الزيدي، وذلك لقربها من بئر الزيدي، أما اسمها الحالي فأكثر الأقوال تُرجح أنها سميت على أحد الفرسان وهو الشيخ تركي بن خريم المسعري الدوسري، حيث دفن فيها. ويصب في روضة خريم العديد من وديان العرمة (المنطقة الصلبة ذات الجبال الرسوبية، وهي شبه المستطيلة والمحاذية للدهناء، يصل طولها إلى 300 كيل وعرضها في حدود 30 كيلاً تقل أو تكثر) ومن هذه الأودية: وادي غيلانه (يمثل تجمع شعيب الثمامة مع شعيب المساجدي) يأتي من الغرب ويصب شمالي غرب الروضة، وادي الخويش، يصب جنوب غربي الروضة ووادي وثيلان (يصب جنوبي الروضة). كنت أذهب إلى تلك الروضة الجميلة قبل أكثر من ثلاثين عاماً، حيث تجد الكثير من البادية (غالبيتهم من قبيلة سبيع) وأهاليهم في بيوت الشعر، ولديهم أعداد محدودة من الغنم النجدية والماعز والإبل، ولم تكن في تلك المنطقة غنم النعيم، وكانوا يتنافسون في إهداء الحليب والبن والزبد والإقط للمتنزهين، حيث يعتبرونه من خير الله، كما لا يوجد رعاة من جنسيات أخرى.
وقت الغروب كان مميزاً، حيث تشاهد جَمال رمال الدهناء المكتسية بالخزاما ذي الرائحة الطيبة، والربلة والشتيل والثمام بين أشجار الأرطى (التي قضي عليها بالاحتطاب الجائر)، وتسمع دق القهوة في الهاون (النجر)، والجميع قد أوقد ناره، وتسمع أيضاً ثغاء الأغنام ورغاء الإبل، وما هي إلا ساعة وترى هدوءاً وسكينة، أما في الفجر فتغاريد الطيور هي المنبه لقرب نهاية الليل، وكذلك يتسابق كبار السن في الأذان، وكم ندمت على عدم أخذ صور لتلك المشاهد التي أصبحت جزءاً من التاريخ. عندما ذهبت إلى الروضة حديثاً وجدت مشاهد جعلتني أفكر كثيراً في الكتابة عنها، فهي خليط من المفرح والمحزن:
المشهد الأول: يتمثل في حب خادم الحرمين الشريفين لأبنائه وتواضعه، فعلى الرغم من وجوده في المخيم الخاص، فلا تجد من يسألك من رجال الأمن داخل الفيضة أو حتى من يراقبك، بل لا يفصل المتنزهين عن مخيم الملك إلا سياج عادي، فهذه والله جعلت كل من يذهب للتنزه يدعو له بطول العمر والصحة والعافية.
المشهد الثاني: يتمثل في جمال تلك الفيضة التي شاهدها أحد الأخوة من إحدى دول الخليج فقال: ما أصدق هذه موجودة في السعودية بل وحتى أوروبا!، حيث تجد فيها جميع النباتات الصحراوية النادرة، مثل النفل، والروض، والفنون، والرشاد، القرقاص، والأقحوان، الجثجاث، والخبيز، أم خويتم، السعدان، الربلة والحوذان وغيرها (أكثر من عشرين نوعاً من النباتات البرية)، وتشتم روائح عطرية مختلفة ومنعشة، كما تشاهد شجر الطلح والسدر البري، حيث يستتر بها مئات العائلات بدون الحاجة إلى سواتر، كل ذلك بسبب الحماية من الرعي الجائر. وحتى لا يحرم أصحاب المواشي، فإن أجزاء كبيرة من الروضة تفتح للرعي عندما يكتمل نمو النباتات وتظهر البذور (لمدة 4 - 5 أشهر في السنة)، لذلك نتمنى أن يُتبع نفس الأسلوب (الرعي المبرمج) في رياض الصمان والتنهات والخفس وغيرها.
المشهد الثالث: كيف أن الله جعل البركة في تلك الفيضة الصغيرة المساحة، فعلى الرغم من الجدب في جميع مناطق المملكة هذه السنة، إلا أنه وبقدرة الله سالت غالبية الشعاب والوديان التي تنتهي في تلك الروضة، وهذه كما قال لي أحد كبار السن من بركة حسن نية خادم الحرمين وعدم حرمانه أحدا من المواطنين من التنزه.
المشهد الرابع: على الرغم من أن بلدية محافظة رماح قد خصصت فريقاً خاصاً لتنظيف ذلك المتنزه، فهنالك شخص من البلدية عند مدخل الفيضة يقدم أكياساً للنفايات، إنك تأسف كثيراً لتصرف بعض العائلات السعودية في عدم المبالاة في رمي جميع مخلفاتهم في مكان التنزه، وهذا يذكرنا بمثالية المجتمع الياباني، حيث تجد كيف يحافظون على نظافة الأماكن العامة، هنا لا بد أن يكون دور للمدارس وأئمة المساجد ورجال المرور. هذه التصرفات مناقضة تماماً لتوصيات وسيرة المصطفى محمد- صلى الله عليه وسلم- حيث كان يترك المكان أحسن مما كان هذا والله الهادي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي