لقد كانت حزمة الأوامر الملكية الأخيرة تمتلك خاصية التأثير المباشر في المستوى الاقتصادي الوطني بشكل عام، وفي مستوى الاستهلاك الفردي بشكل خاص؛ فضخ 250 ملياراً لبناء 500 ألف وحدة سكنية، وزيادة مخصصات الصندوق العقاري للتنمية بـ 40 مليار ريال، علاوة على السابق، مع رفع قيمة القرض إلى 500 ألف ريال، ودعم بنك الاستثمار والجمعيات المتخصصة والأندية الأدبية وغيرها، وكلها تتجه في أثرها التمويلي في تعزيز حيوية دورة الاقتصاد على مستوى الوطن، فيما يشكل صرف راتب شهرين لموظفي الدولة من مدنيين وعسكريين ومتقاعدين، تجاوب معها بالمثل عديد من مؤسسات القطاع الخاص، وكذلك رفع الحد الأدنى للوظيفة الحكومية بما لا يقل عن ثلاثة آلاف ريال، وتحديد ألفي ريال بدل بطالة، علاوة على زيادة الرواتب السابقة بـ 15 في المائة، وكذلك تثبيت بدل غلاء الأسعار.. هذه كلها تتجه بشكل مباشر زيادةً في الدخول الفردية.
وإذا أخذنا في الحسبان الإجراءات السابقة مثل توجيه فوائض الميزانيات لبرامج ومشاريع التنمية واعتمادات كبيرة لوزارة الصحة وصناديق التنمية وسواها، فإن ذلك كله وفي غضون سنوات خمس يشكل كذلك متغيرات إيجابية في ارتفاع مستوى الاقتصاد الوطني وفي مستوى الدخل الفردي على حد سواء وبالتالي مستوى المعيشة.
هنا.. علينا أن ننظر إلى العلاقة الترابطية بين مستوى الاقتصاد الوطني ومستوى الاستهلاك، وأنه ما من شك أن هنالك علاقة طردية بينهما، فكلما كان الاقتصاد قويا زاد الاستهلاك على مستوى الفرد والمؤسسة والدولة، غير أن هذه العلاقة تخفي داخلها تباينات في حجم الاستهلاك بالنسبة للشعوب، حتى في الحالة التي تتقارب فيها مستويات الاقتصاد من حيث القوة أو الضعف.
إن العادات والتقاليد تلعب تأثيرها في مستوى الاستهلاك بغض النظر عن الحالة الاقتصادية لهذا الشعب أو ذاك.. وكلما كان للعادات والتقاليد حضورها القوي وسطوتها النافذة على السلوك العام كان دورها في التأثير السلبي أكبر، فيما يقوم الوعي والعلم، بحسب عمق الارتباط واتساعه بتخفيف حدة سطوة العادات والتقاليد من خلال تحكيم العقل والنظرة الاقتصادية والتخطيط للمستقبل.
غير أن الطبيعة البشرية، والرغبة في التمتع بالحياة، والإحساس بالقدرة على الحصول على الأشياء تظل، حتى في الدول التي يُفترض أن الوعي والعلم عميقان واسعان فيها، تدفع مع ذلك إلى الاستهلاك، ولا سيما أن حضارة الإعلان والدعاية باتت تحاصر الصحو والنوم فتحد من مقاومة الاستهلاك بنداءاتها الجذابة المغرية، التي تعزف على وتر الفضول الإنساني في نهم الاستمتاع أو التجريب لما هو جديد، مطروح قيد النظر والسمع يتطلب فقط رحلة للتسوق.
ومع ذلك، فهناك اختلاف بين الشعوب في التصرف في الدخول الفردية مهما كان المستوى الاقتصادي، ومهما كان للعادات والتقاليد والوعي والعلم مجتمعة من تأثير فيها، يتم التعبير عنها في مجال البحث والدرس الاقتصادي بمعدلات للاستهلاك عند هذا الشعب أو ذاك وعلى مستوى العالم، ولها مقارناتها ونسبها ورسومها البيانية توضح الأعلى فالأدنى حسب فترة معينة من الزمن لسنة أو لسياق زمني بالحقبة أو عشرات السنين.
أهمية هذه البحوث والدراسات أنها تعطي خريطة طريق المزاج العام للاستهلاك، الذي تتحكم فيه إلى جانب العادات والتقاليد والوعي والعلم، الظروف التي يمر بها شعب من الشعوب، من رخاء أو انكماش أو ركود أو كساد أو حتى آثار أزمات ومشكلات مجتمعية كالفقر، الأمراض، الإرهاب، أعمال العنف، الحرب؛ إذ هي كذلك عوامل مؤثرة في الحالة الاستهلاكية وفي طريقة التصرف بالدخول الفردية.
في هذا الإطار.. وعلى المستوى الوطني هناك متوسط للاستهلاك الفردي تحدده مصادر عدة، منها الهيئة العامة للإحصاء والمعلومات، مؤسسة النقد، وزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة المالية ومراكز دراسات خاصة، وغالبا ما تجيء على مستوى السنة الواحدة أو فترة الخطة الواحدة (خمس سنوات) أو سلسلة مقارنات بين الخطط.. وكلها تقدم معدلات ونسبا لها أقيامها ودلالاتها في تحديد السلوك الاقتصادي للمواطن وطريقة تعامله مع دخله.. وعلى أهمية ذلك لتبيان مسار الاقتصاد الوطني والحالة الاستهلاكية، إلا أنه من الأهمية أيضا السعي إلى استنطاق هذا السلوك من خلال تلك المعدلات والنسب وفتراتها لمعرفة ماهية المؤشرات فيها وكيف ومتى ولماذا برز هذا السلوك ولم يبرز ذاك؟ لأن من شأن الإجابة عن هذه الأسئلة، أن تكشف عن اتجاهات الاستهلاك ومركز أو مراكز اهتمامه، وبالتالي استثمار ذلك من أجل وضع سياسات إرشادية للاستيراد بحيث لا تمتلئ الأسواق بما يمثل ترهلا في سلعها وهدرا في الأموال طالما تمت معرفة حجم الإقبال على هذه السلعة أو تلك وفقا للظروف ولكي يكون التركيز على النوع والمقدار في مكانه وزمانه الصحيحين.. فضلا عن أن استنطاق السلوك الاستهلاكي للفرد السعودي يمكن أن يسهم في التوعية العامة لكيفية التسوق والمساعدة على تعريف الأفراد بالأساليب المثلى له وكذلك الطريقة التي تمكنهم من الادخار.. بمعنى آخر.. لو تم استثمار الآثار التي عكستها هذه الأوامر الملكية في نطاق سنة واحدة وفي نطاق خمس سنوات مثلا، فلسوف نكتشف سلوكنا الاستهلاكي في ظروف رخاء كهذه مثلما ستدلنا المقارنة بالماضي بسلوكنا الاستهلاكي حسب ظروفها، وقد نصل إلى معرفة حقيقة وطبيعة هذا السلوك بشكل مقارب يمكن معه وضع ما نشاء من سياسات إرشادية للاستيراد والتسويق والادخار في اليسر والعسر!!
