الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الجمعة, 17 أبريل 2026 | 29 شَوَّال 1447
Logo

اقتصاد قوي ومشاريع عملاقة.. لماذا لا تتفاعل الأسهم؟

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
السبت 12 مارس 2011 1:31

تنشط الصحافة المحلية وساحات الإنترنت والمجالس في الحديث عن أحوال السوق المالية السعودية وما تعانيه هذه الأيام من نزف في الأموال وانهيار في أسعار الأسهم وتهاوٍ في مؤشرها.

والحقيقة التي لا مجال للحيدة عنها هي أن السوق المالية لم يكن نزفها ابن اليوم والبارحة، بل هو علة كامنة فيها منذ سنوات، فهي ما تكاد شاشاتها تومض باخضرار حتى يغالبها الاحمرار، مع أنه، لم يكن أداء الاقتصاد الوطني خلالها حجة لها وإنما حجة عليها، فقد شهدت قطاعات التنمية في بنياتها الأساسية والبرامج والمشاريع الحيوية الأخرى في قطاعي الخدمات والإنتاج زخما من التمويل لا سابق له، كانت حصة القطاع الخاص من كعكة هذا التمويل غالبا مجزية جدا، بمعنى أن قدرا كبيرا من حجم التمويل لم تستهلكه قطاعات حكومية لنفسها، وإنما كانت مؤسسات القطاع الخاص أكبر من شريك وأكثر من لاعب، وهو ما يعني زيادة فعلية في المقدرات المالية لهذا القطاع، يفترض أنها تعزز حراكه في دورة الاقتصاد الوطني إنتاجا وتوظيفا.. ولأن الأمر كذلك، فيما يخص القطاع الخاص بالذات، يصبح الحديث عن حجم السيولة مدخلا لتساؤل منطقي عن أين ذهبت؟ ولو قلنا إن بعضا منها استهلك في تكاليف المشاريع فسيبقى ذلك البعض الذي لا بد أن يكون جزءا منه ـــ على الأقل ـــ قد تدفق في قنوات السوق المالية ليشكل قوة دفع وحيوية فيها ـــ كما هو المفترض أيضا، غير أن هذا لا يبدو له ذلك الأثر المعقول أو المتوقع، وهكذا.. ظلت السوق رغم وفرة التمويل في خزائن القطاع الخاص تراوح مكانها بين هبوط وهبوط.

ما من شك أن أموال القطاع الخاص غير الواضحة في قوام السوق وتماسكه لا يمكن أن يكون أصحابها قد قرروا العفاف والزهد في التربح وفضلوا إبقاء أموالهم أرصدة جامدة في البنوك، بل لا بد أن تكون هذه الأموال، علاوة على ما هو في الصناديق الاستثمارية، قد اختارت شق دروبها في اتجاه الخارج في استثمارات عينية في الغالب؛ لعدم الثقة أو للشك والريبة في سلوك السوق المالية المحلية وكفاءة أدواتها الفنية والرقابية، أي أن ثمة قلقا بشأن الشفافية فيها لم تفلح ضوابط الحوكمة والتصاريح الخاصة بالرقابة الصارمة على عمليات السوق ولا تأهيل القوى البشرية العاملة فيها على تبديد هذا القلق؛ لأنه لو لم يكن الأمر كذلك لما كان هناك من مبرر للبحث عن استثمار خارجي فيما لو كانت السوق المحلية تملك ـــ فعلا ـــ إغراء الاستثمار فيها، فضلا عن كون الدولة نفسها تستثمر فيها بما يعنيه من طمأنة، فإن القطاع الخاص ـــ مع ذلك ـــ لم يطمئن!!

أما وقد استجدت ظروف إقليمية حاقت باقتصادات عربية وسواها، فضلا عما سبقها من تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، فلا غرابة في أن ترتكس السوق في رمال متحركة أشد تأثيرا فيها تجعلها أكثر نزفا وخسارة في أسعار أسهمها وهبوطا في مؤشرها، وبالتالي يصبح ما استجد إضافة سلبية إلى عثرات سوقنا قبل الوقت الراهن، وهو في الحالتين يؤكد على مأزق السوق المالية السعودية في الأساس قبل هذه الأحداث ومعها، حيث كان الأداء في مجمل السنوات الماضية هزيلا!

هذا يعني أن السوق في ظل وفرة التمويل والصعود غير المسبوق لأسعار النفط وإيراداته والقسم الكبير من الكعكة المالية التي غنمها القطاع الخاص في المقاولات والصيانة والتشغيل، ظل حالها حال الوقت الراهن بعدما تداعت الأزمة العالمية والأحداث السياسية العاصفة في بلدان شقيقة، حتى وإن زادت كل من الأزمة والأحداث الطين بلة، وهو ما يعود بنا إلى مواجهة وضع السوق نفسها هيكلية وتشغيلا طالما كان وضع الاقتصاد الوطني أكثر من جيد خلال تلك الفترة وما زال، فلا سبيل للبحث عن علة ضعف سوقنا المالية وتهافت أقيام الأسهم فيها وما يعنيه ذلك من خسائر بلغت مليارات الريالات، لا سبيل أن يكون مصدر علة هذا التهافت خارجها، إذ من المعروف بديهيا، في كل أسوق العالم، أنها مرايا لقوة اقتصاداتها أو ضعفها، فالأسواق حاسة الاستشعار لأداء الاقتصاد وحجم العمل والأشغال في هذه الدولة أو تلك .. ولم يسبق أن تحولت بلادنا إلى ورشة ضاجة بمشاريع استراتيجية كبرى وأخرى خدمية أو إنتاجية وبنيات تحتية لمرافق ومجالات عدة كما هي اليوم، وعلى نحو يتمايز نوعيا حتى مع طفرة السبعينيات..

فهل يمكن أن يكون كل هذا البيدر الزاخر حصادا هزيلا في سوقنا المالية؟ وإذا كان هذا هو واقع الحال ـــ مع الأسف ـــ فهل يستدعي الأمر إغلاق هذه السوق لكيلا تتحول إلى ثقب أسود يلقف ما يقذف في جوفه. وإذا كان إغلاقها مؤقتا بات خيارا تتجاذبه الأحاديث، بين أهل الاختصاص والعامة، فهل تراه سيكون قرارا صائبا ومجديا، وهل سينجم ـــ فيما لو تم ـــ عنه حل يعيد للسوق هيبتها؟ أم تراها ستعيد سيرتها الحالية من جديد؟!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية