لو أردت أن تفهم روسيا في القرن التاسع عشر، هل من الأفضل أن تقرأ كتاب تاريخ أم رواية الحرب والسلام؟ التاريخ يعطيك الحقائق، لكن تولستوي يمكن أن يزودك بفهم أكثر عمقاً.
وحتى حين يتعلق الأمر بالسياسة المعاصرة، يمكن أن يمنحك الخيال أحياناً رؤى أكثر تبصراً من الحقائق. رواية هشام مطر المشوقة ''في بلاد الرجال'' In The Country of Men، تنقل قسوة ليبيا في ظل معمّر القذافي على نحو أكثر فاعلية من أي صحيفة.
في السنوات الأخيرة، يميل الصحافيون الغربيون إلى اعتبار العقيد القذافي دكتاتوراً في أوبرا هزلية - بأزيائه السخيفة وخطاباته الصاخبة وما وصفته برقية نشرت في ويكيليكس بأن ''ممرضته الأوكرانية الحسناء''. وقراءة رواية ''في بلاد الرجال'' تذكرنا بقسوة أن ليبيا في ظل العقيد القذافي مأساة، وليست كوميديا. فهي تصور الخوف الخانق للعيش في ظل الدكتاتورية الليبية: الخيانات، والاعتقالات، والتعذيب، وتشويه العلاقات الإنسانية.
وكان والد مطر، المنشق الليبي والدبلوماسي السابق، قد اختفى في القاهرة عام 1990، وربما يكون لا يزال حياً داخل سجون القذافي. وتم نشر رواية ابنه عام 2006 وظهرت على القائمة القصيرة لجائزة بوكر ــ أعلى جائزة أدبية في بريطانيا.
وحقيقة أن زمن الكتاب هو عام 1979 هي بمثابة تذكير مثير للحزن، لمدى طول معاناة ليبيا. ويصر أحد النشطاء البائسين في مجال الديمقراطية، الذي يعمل ضد النظام، على القول: ''من واجبنا أن نبين الظلم صراحة''. ولا بد أن الثائرين الذين انتفضوا في بنغازي وغيرها يقولون ويفكرون في الأمور نفسها. ويراقب مطر نفسه الأحداث من لندن، حيث نشر للتو رواية جديدة، هي ''تشريح الاختفاء'' Anatomy of a Disappearance.
إن قدرة الخيال على تصوير الظلم بقوة عاطفية فريدة تعني أنه يمكن للروايات أن تغير التاريخ. فرواية هارييت بيتشر ستو ''كوخ العم توم'' Uncle Tom's Cabin، تثير الاستياء من العبودية في السنوات التي سبقت الحرب الأهلية الأمريكية. وأصبحت رواية الكسندر سولجينيتسين ''يوم في حياة إيفان دينيسوفتش'' One Day in the Life of Ivan Denisovch، القصة الأساسية التي تصور قسوة معسكرات العمل القسري السوفياتية.
ما هي إذن الروايات التي ينبغي على المهتمين بالسياسة قراءتها اليوم؟
إذا كان مطر هو الكاتب الذي نقل بأدق صورة واقع ليبيا في ظل القذافي، فإن علاء الأسواني، مؤلف رواية ''عمارة يعقوبيان'' Yacoubian Building (نشرت عام 2002) هو الروائي الذي صوّر على أفضل وجه مشاعر الاستياء المحتدمة في مصر في ظل حسني مبارك. وفي حين أن رواية مطر مأساوية، فإن كتاب الأسواني مضحك على نحو واقعي في معظمه. لكنه يرسم صورة لدولة يتم فيها إحباط وإذلال الأشخاص الذين يحاولون التقدم في الحياة من خلال الجهد النزيه، في حين يتقدم الفاسدون والذين لديهم علاقات سياسية. وبعد قراءة ''عمارة يعقوبيان''، ليس من الصعب فهم سبب امتلاء ميدان التحرير بالشباب الغاضب الذي يطالب بالتغيير.
قبل أن أقرأ رواية ''في بلاد الرجال''، كانت الرواية السياسية التي تركت لدي أكبر انطباع هذا العام هي ''العار'' Disgrace لجيه. إم كوتزي التي قرأتها خلال زيارتي لجنوب إفريقيا. وكوتزي مصدر فخر واستياء على حد سواء في وطنه. فهو حائز جائزة نوبل، لكنه أيضاً منفي ومواطن إفريقي أبيض من أصل أوروبي، تقدم أعماله صورة قاتمة عن ''جنوب إفريقيا الجديدة''. و''العار'' هي عمل فني، وليس دعاية سياسية - لذا من الخطأ استخلاص درس مباشر منها. ومع ذلك تصور الرواية بعض جوانب جنوب إفريقيا الحديثة - وبخاصة الخوف الشديد من الجريمة وقوة مفهوم النزاهة السياسية في جامعاتها التي خضعت لإصلاحات في الآونة الأخيرة.
وكانت الرواية التي جعلتني أعيد النظر في بعض فرضياتي حول الهند المعاصرة هي ''النمر الأبيض'' The White Tiger للمؤلف أرافيند أديغا. ومثل كثير من الصحافيين الأجانب، كنت مقتنعا ببعض الأفكار المسبقة عن الدولة: اقتصاد مزدهر، أكبر ديمقراطية في العالم، تقليد رائع من سيادة القانون. ويكشف كتاب أديغا الوحشية وانعدام القانون واستغلال الفقراء الذي يكمن عادة وراء الشعارات البراقة. وتصور الرواية ما يمكن للخيال أن يصوره على نحو أكثر فاعلية بكثير من الصحافة - تهويل قصص الضعفاء.
وتفسر قدرة الخيال على منح صوت لمن لا صوت لهم لماذا يتطلب الأمر أحيانا رواية لتصوير لماذا كانت مصر وليبيا على وشك الثورة، أو تفسير لماذا لا تزال الهند منكوبة بالتمرد الماوي، على الرغم من معدلات النمو البالغة 8-9 في المائة سنوياً.
ولعلمي بهذا، أسأل أحياناً بعض الأصدقاء في الخارج عن الروايات القوية التي تم نشرها أخيرا في المكان الذي يعيشون فيه. وأخبرني زميل روسي في وقت غير بعيد أن بلاد تولستوي وتشيكوف لم تعد تنتج أدباً عظيماً. ويبدو أن روسيا في ظل بوتين أقوى في أفلام الرعب التي تصور الجرائم. وأخبرني زملاء لي في الصين أن أترقب نشر رواية ''كراسة موظف في الدولة'' A Civil Servant's Notebook للمؤلف وانغ زيافانغ، التي ستنشر بالإنجليزية في وقت لاحق من هذا العام. ووانغ هو موظف سابق في الخدمة المدنية يحظى كتابه اللاذع ـ يستهدف التكسب من ورائه ـ الذي يؤرخ للفساد الرسمي، بشعبية كبيرة في الوطن. والقضايا التي أثيرت ترتبط أيضاً برجال الأعمال الأجانب الذين يضطر كثير منهم للعمل في نظام صيني لا يفهمونه - وهذا يتطلب تنازلات أخلاقية يمكن تجنبها في الوطن.
وتمتد أخلاقيات هذه القصة إلى خارج حدود الصين. ويا ليت بعض الأساتذة السذج وبعض رجال الأعمال غير السذج جداً، الذين هرعوا للقيام بأعمال مع العقيد القذافي، قرأوا أولاً رواية ''في بلاد الرجال''. فالخيال أحياناً يمكن أن يكون أفضل طريق للوصول إلى الحقائق.

