الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 14 مايو 2026 | 27 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

المخالفات الطبية .. والضمير المهني الحي

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الخميس 30 ديسمبر 2010 5:4

بقدر ما هناك احتياج للاستثمار في الخدمات الصحية، فإن تشجيع الدولة لرجال الأعمال لإنشاء مشاريع خدمية في هذا القطاع البالغ الحساسية لا يعني إهمال الأصول المهنية لممارسة الطب وتقديم خدمة التشخيص والعلاج للمرضى وفق أفضل الشروط والضوابط لأن صحة الإنسان أغلى ما يملكه الفرد والأسرة والمجتمع، كما أن صحة الإنسان ليست ميدانا للتجربة والتعلم أو حتى التعويض بمبلغ نقدي إذا تضررت حالته الصحية بسبب خطأ في التشخيص أو العلاج.

لقد رصدت وزارة الصحة عددا من المخالفات الطبية في بعض مؤسسات الخدمات الصحية الخاصة وأوقعت عليها غرامات مالية، وقد كان بعض تلك المخالفات جسيما، بل يصل إلى حد الجريمة الكاملة، فهناك كوادر طبية تعمل دون تراخيص أو قبل الحصول عليها، حيث يتم التكليف بالعمل في المنشأة قبل أن تتوافر شروط العمل وفق نظام مزاولة مهنة الطب البشري والتعليمات والقرارات التي تعتمدها الوزارة في الإشراف والرقابة بحسب اختصاصها.

ومن المخالفات الجسيمة نقص التجهيزات، وسوء التعقيم، وعدم التخلص من النفايات الطبية وفق الإجراءات الصحيحة، إضافة إلى عدم التقيد بالشروط والمعايير العلمية عند إجراء فحص العمالة الوافدة، أو القيام بذلك دون الحصول على التراخيص اللازمة. كل هذا يحدث وتتم مواجهته بالغرامات المالية، باعتبارها وسيلة نظامية للتصدي للمخالفات التي قد تصل العقوبة فيها إلى حد إغلاق المؤسسة أو المنشأة لحين إزالة المخالفة.

ورغم أن فرض الغرامات المالية أدى إلى وجود مؤشرات على تراجع عدد المخالفات، وفعالية الإجراءات الخاصة بالرقابة والمتابعة حسب رؤية الوزارة، إلا أن سبب وجود تلك المخالفات لا يزال بعيدا عن المعالجة الصحيحة، فهناك في الواقع فجوة بين ما تتطلبه الأنظمة من المنشآت الصحية، وبين إمكاناتها وقدراتها في توفير ضوابط واشتراطات الجودة العالية في الخدمة الصحية، فالمعاناة مع النقص الكبير في الكوادر البشرية المدربة والمؤهلة تأهيلاً جيداً يكاد يكون هو لب المشكلة في حديث المستثمرين من رجال الأعمال.

وهذا النقص يزيد من حدة المشكلة لأن هناك تزايدا في السكان والوعي والاحتياج للعلاج، وتنوع الأمراض، والتقدم الهائل في علم الطب والأمراض والأدوية. الفارق يزيد كل عام، ومع ذلك فتشغيل عيادة أو مستشفى بات مسألة مقلقة لأي مستثمر جاد، لأن معاناته تتجاوز الكم إلى تأهيل الكوادر وتدريبها سواء للأطباء أو الكوادر الإدارية والتمريضية والفنية المساعدة والمساندة.

إن ما يتوقعه المجتمع من القطاع الصحي الخاص يفوق بكثير ما هو موجود في أرض الواقع، وإذا كانت المخالفات قائمة بالفعل، فإن البحث عن الأسباب الحقيقية مسألة ضرورية ففرض الغرامات حق نظامي للجهات الرقابية والإشرافية، ولكن ما الذي يدفع المستثمر إلى مخالفة النظام والمخاطرة في الخدمة التي يقدمها ويحقق من ورائها العوائد المالية التي تبقي المنشأة قائمة في سوق يعاني فيه صعوبة توفير الكوادر المؤهلة محليا أو استقدامها.

إن طريقة إدارة الخدمات الصحية تتطور بشكل مذهل، وتتعقد وتتداخل فيها كثير من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، وهي تحديات تفرض نفسها وستظل جزءا من الواقع حتى يتم التغلب عليها بحلول ملائمة تأخذ المبادرة فيها وزارة الصحة، حتى يتم الوفاء بأهم المتطلبات وهو توفير الخدمات الصحية في القطاع الخاص بمعايير عالية ترقى إلى مستوى الإمكانات المتاحة في المملكة. الفجوة أصبحت كبيرة جدا ولا بد من إحداث نقلة نوعية في مستوى التخطيط الصحي، لأنه دون وجود تلك النقلة يصعب تبني حلول جذرية حاسمة في مجال تطوير الخدمات الصحية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية