حُمِل علم المملكة العربية السعودية إلى الفضاء الخارجي، ورفرف في القطب الجنوبي، ويطير الآن فوق محطة تعد واحدة من آخر المحطات المهمة الرئيسية التي يمكن الوصول إليها بفعل عزم الإنسان وشجاعته. في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) 2010 وصلت الحملة التي يقودها وليد يوسف زاهد، بصحبة ولديه هيثم ومحمد، إلى الموقع الجغرافي للقطب الجنوبي، في ختام رحلة مضنية عبر أقسى بيئة على وجه الأرض. ومن المعتقد أن هذه الرحلة هي أول رحلة يقوم بها فريق سعودي يتمكن من إتمام التحدي.ويعد هذا الإنجاز، بوصول الفريق إلى خط عرض يقع 90 درجة جنوبي خط الاستواء، تتويجا لشهور من التحضير والتدريب والإعداد؛ والسفر إلى محطة القاعدة الرئيسية في القطب الجنوبي؛ والطيران إلى موقع يقع عند خط عرض 89 درجة جنوبا؛ لإطلاق الرحلة البرية عبر الهضبة القطبية المعروفة باسم ''الدرجة الأخيرة''. هذه المسافة هي عبارة عن رحلة فوق الزلاجات لمسافة 111 كيلومترا تستمر لعدة أيام (لاحظ أن قطْع مسافة 20 كيلو مترا في أي يوم من الرحلة يعد إنجازا مثيرا للإعجاب)، وحيث تقرر نزواتُ الطقس المسيرةَ المؤلمة، والتي جعلت الفريق يبقى عدة أيام في الخيام على بعد 41 كيلو مترا من هدفهم المنشود.
ويعد الطقس في القطب الجنوبي أكبر عدو مخيف ضد فسيولوجيا الإنسان، حيث كانت درجة الحرارة حين وصل الفريق إلى المنطقة تبلغ 33 درجة مئوية تحت الصفر عند قياسها بمقياس الحرارة، لكن أعضاء الفريق أحسوا بأنها أقرب إلى 50 درجة تحت الصفر بفعل الرياح الثابتة التي كانت تسير بسرعة تزيد على 40 كيلو مترا. لكن هناك مخاطر أخرى تحيط المسافرين إلى هذه النقطة التي تمثل ''أدنى نقطة'' في كوكب الأرض. يقع مستوى أرض القطب الجنوبي بالقرب من مستوى سطح البحر، لكن الارتفاع الحقيقي للهضبة القطبية، بالنظر إلى تراكم الثلوج على مدى آلاف السنين، يبلغ 2800 متر.
وثق المشاركون في حملة زاهد تجاربهم في القطب الجنوبي في رحلتهم عبر ''الدرجة الأخيرة'' في مدونة على الإنترنت كانت تسجل الرسائل التي يرسلها أعضاء الفريق. في الثامن من كانون الأول (ديسمبر)، حين علِق الفريق في منطقة تقع على بعد يومين من هدفهم المنشود، قال هيثم: ''وصلتنا نشرة الأحوال الجوية في الثامنة من صباح هذا اليوم، وجاء فيها أن الرياح ستستمر لمدة أخرى من 24 إلى 36 ساعة. كما أن الطقس عرقل تقدمنا عند نقطة تبعد 41 كيلو مترا عن القطب خلال الساعات الـ 36 الأخيرة، وربما يتعين علينا الآن أن ننتظر مدة 36 ساعة أخرى قبل أن نتمكن من التحرك من جديد''. وواصل حديثه قائلاً: ''من الواضح أن الرياح تجعل الوجود تعيساً بالفعل في هذه المنطقة. داخل حقيبة النوم التي أرقد بداخلها، وهي حقيبة مصممة لتحمل درجات تصل إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر، ما زلت أحس بقشعريرة في عظامي. وكأن هذا لم يكن كافياً، بدأت الثلوج بالتساقط إلى داخل خيمتنا. كانت أنفاسنا تتكاثف وتتجمد داخل الخيمة. وعلى مدى أكثر من 36 ساعة في ذلك المكان تراكم الثلج، ثم هبت رياح قوية أثناء نومي إلى درجة أنه كانت تسقط على وجهي حبات ناعمة من الثلج''. حتى السنوات الأخيرة كانت المنطقة المحيطة بخط العرض 90 جنوبا حصرا خاصا على العلماء العاملين في مجمَّع محطة الأبحاث الأمريكية أموندسِن – سكوت، لكنها أصبحت محط المسافرين المغامرين الذين يأتون في زيارات قصيرة رمزية إلى الموقع الجغرافي للقطب الجنوبي. لكن محطة ''الدرجة الأخيرة'' تأسر خيال المسافرين من حيث التحديات والأخطار التي يواجهها الرواد القطبيون. في فريق زاهد كان يرافقهم دانكان بول من جنوب إفريقيا، والدكتور جيف لونت من بريطانيا، وجاي كوتر من شركة Adventure Consultants، الذي تم التعاقد معه ليكون منظم الحملة.
احتفل وليد بعيد ميلاده الستين في السابع من كانون الأول (ديسمبر)، الذي كان التاريخ المقرر للوصول إلى القطب الجنوبي. لكن التأخير بسبب الطقس أدى إلى عدم تمكنهم من تحقيق هذا الهدف حتى اليوم العاشر من الشهر.
وتم توثيق الخطوات الأخيرة من رحلة ''الدرجة الأخيرة'' في مدونة الإنترنت على يد محمد وليد زاهد، الذي كتب: ''استمتعت بكل جانب من جوانب الرحلة. استمتعت بالبرد القارس، وبالرياح العنيفة، وبالأشعة فوق البنفسجية، القوية والخفية، والفراغ الهائل في المكان، وبصحبة أبي وأخي. لم يكن هناك مجال للخطأ. من الممكن أن يتجمد الشخص بفعل البرد. ومن الممكن أن يحترق في الشمس. ومن الممكن أن تعضه الريح، كما أن النمط الرتيب للحياة يمكن أن يبعث الكآبة ويستنزف الشخص. في اليوم الأخير اعتقدت أن القطب الجنوبي قبِلَني بسبب المعاملة الكريمة التي لقيتها منه. لكن الأمر لم يكن كذلك. ففي المرحلة الأخيرة صفعني بعضة ريح عاتية على وجنتي، وخلف فيها ندبة، وإن كنت أرجو ألا تظل موجودة بصورة مزمنة. لكن هذه تذكرة أكيدة على وجوب الحذر في جميع الأوقات. المسافة الطويلة المضنية والمليئة بالعذاب أثناء السير على الزلاجات أثرت على أجسامنا بصورة لا يستهان بها، لكن للأسف كان لا بد من القيام بذلك لتحقيق هدفنا في الوصول إلى القطب الجنوبي. وبفضل عزمي وتصميمي احتفظت بروحي المعنوية. وكان مشهد القطب الجنوبي، الذي لمحناه للمرة الأولى حين كنا على بعد 15 كيلو مترا، أعطانا أول انطباع غير صحيح برؤية السماء. كانت قلعة كبيرة، محطة أموندسِن – سكوت، قلعة مخبأة في الغيوم الكثيفة.
وبالنسبة لنا كانت مشهدا نادرا بعد عشرة أيام لم نر فيها شيئا سوى الرياح والشمس والجليد. كانت وكأنها جرعة منشطة من الأدرنالين. صحيح أننا بعد أن وصلنا في نهاية اليوم إلى أكثر نقطة جنوبية على سطح الأرض شعرتُ وكأنني حصلت على مكافأة ضخمة، وكانت ثمرة ناجحة للتخطيط والتدريب والانضباط والرحلات المتعبة، لكن ليس هناك ما يقارَن بالشعور الذي يندفع داخلي لحظة ظهور أبي وأخي وهما يعانقان بعضهما بعضا في حالة من الإنهاك والفرح يغمرهما. كانت لحظة عاطفية رائعة لا مثيل لها''.

