حينما نعالج المريض من أزمة قلبية، وندفع مصاريف علاجية أكثر من 50 ألف ريال، فإن ذلك شعور طبيعي يدفعنا إلى القيام بالواجب نحو معالجة سريعة وعاجلة للمرض، ونسعى بكل مشاعرنا لأن يتجاوز الشخص تلك الأزمة القلبية التي كادت أن تتسبب في إنهاء حياته، لكن حينما ندفع أقل من ذلك المبلغ 30 ألف ريال مثلا، في رحلة استجمامية وترفيهية فإن ذلك يعد شعورا غير طبيعي، وربما استكثرنا ذلك المبلغ، ولمنا أنفسنا على دفعه، وربما كان ذلك سببا ـــ بإذن الله ـــ في دفع الإصابة بعيدا عنا بمثل هذه الأمراض والأزمات، التي قد تودي بحياتنا.
تلك هي المعادلة التي تقول ''درهم وقاية خير من قنطار علاج''، وذلك في كل أمور الحياة ونسقها المتكامل، والعمران هو جزء من تلك المعادلة، حيث نقضي فيه أكثر من ثلثي أعمارنا، وهو الذي يجب أن يمثل منظومة متكاملة في حماية أجسادنا من أن يصيبها أي أذى، فالعمران والمسكن هو الغطاء الثالث في منظومة الأغطية التي تكسونا، حماية لأبداننا بعد حماية الجلد والملبس.
وإذا تصورنا أن الجسم قد حماه المولى ــــ جل في علاه ـــ بالجلد، وهو يمتلك المنظومة الأولى والرائعة للحماية والتحسس والتكيف في جميع الأجواء، ثم إن المولى خلق لنا في هذا الكون الفسيح ما يمكن لنا أن نصنع منه ما نشاء لنحمي أجسادنا، من الثياب والملابس التي تعمل كمنظومة ثانية للحماية من تقلبات الأجواء والشمس، وبعد ذلك تأتي المنظومة الثالثة وهي العمران الذي نسكن إليه ونعيش فيه ونبني في داخله بيئة رائعة، وعندها نتخفف من الغطاء الثاني أي من الملابس، ونعيش أجواء ممتعة وسكنا مريحا، ولذا فالمنظومات الثلاث هي في تكامل عجيب إذا ما عملت مع بعضها بعضا وتكاملت، وعرفنا كيف تعمل كل منظومة منها، وعملنا على حماية كل منها، وصنع ما يمكن من المنظومتين الثانية والثالثة حتى نحمي أجسادنا من أي خلل.
وإذا ما نظرنا إلى مساكننا الحالية التي صنعناها لأنفسنا وجدناها تعاني مشاكل جمة، خصوصا مع البناء الحديث الذي انتهجناه, الذي ـــ كما ذكرت في المقال السابق ـــ أننا أضعنا هويتنا فيه، ونحن نبحث عنها ولم نجدها بعد، فهي تخلو من أي تكيف مع البيئة الخارجية، فهي لا تحوي نظما متكاملة للمنزل بل نجدها مصابة بعدة مشاكل، وهي مع أول موجة برد تصبح كمن يعيش في وسط ثلاجة كبيرة إن لم تكن أشبه بـ (الفريزر) المجمد، الذي مهما غطى الإنسان نفسه بالملابس والألحفة فإنه لا يزال يعيش أجواء باردة، ويقول إنها المربعانية وشدة برودتها، وهي لم تصل بعد إلى -1 فضلا عن أن تصل إلى -20.
ويتعجب كثير من الناس كيف أن البرد دخل إليه في جوف بيته الخرساني، مع أنه قد وضع طبقة عازلة لكل حوائط المنزل، ونسي أن العازل لا يعمل أبدا إلا وسط منظومة داخلية متكاملة وإلا يصبح كعدمه في حال لم يوجد أي حل لتدفئة المنزل في الشتاء ومنظومة تبريد في الصيف، وهي المطلب المهم حتى يتكيف المسكن ويصبح مناسبا للسكن، وعندها نتخلص من أعباء الملابس والأغطية، وأكثر من ذلك من أعباء فواتير العلاج.
ونجد الحلول لهذه المشكلة هي حلول جزئية، تصيب الجسم بالأمراض الخطيرة التي تتكرر مع جميع أفراد المسكن في كل عام، وهي أن الحل الذي يوضع للتدفئة يكون جزئيا بتدفئة غرف النوم فقط وتصبح المشكلة غاية في الخطورة، حيث إن دورات المياه والصالات وغيرها من أماكن في المسكن ربما تكون درجة حرارتها أقل من 20 درجة مئوية عن غرفة النوم، إذا ما حسبنا أن غرفة النوم تكون 27 والصالات تكون سبع درجات مئوية، أما مجلس الرجال فهو أقل من ذلك وربما كان صفرا من أي تدفئة، ولهذا فإن المسكن في هذه الحالة يصاب بنوع من الخلل، وهو كمن يقوم بتدفئة قدميه ويترك بقية الجسم دون تدفئة، ولذلك تنتقل العدوى بعدها إلى جميع أجسام أفراد العائلة، ونجدهم يزورون الإسعاف بالتناوب كل أسبوعين أو ثلاثة، وتصبح فاتورة علاجهم في الشتاء مرتفعة، علاوة على أنها أصابت العائلة بالشلل، جراء تلك المراجعات وأتعبت الأسرة بأكملها، وتغيب عن التحصيل الدراسي أكثر الأولاد، هذا إذا ما كانت الأمراض التي تسبب فيها المسكن مؤلمة بشكل كبير.
إننا حينما نعمل على تدفئة المسكن بشكل متكامل وبمنظومة تضبط درجة الحرارة على المستوى المريح للجسم (22-27) درجة مئوية فإننا بذلك نضمن ــ بإذن الله ــ أن البيت كله يحتفظ بتلك الحرارة، وأن العوازل التي وضعت تعمل على أن تحفظ هذه الحرارة وأيضا تعمل على طرد البرودة من أن تتسلل إلى المسكن، وهذه النظم لها تكلفة ولها تصميم، ولكن تكلفة تلك النظم هي دون شك أقل من تكلفة علاج أنفسنا، بعد أن نتسبب في إيذاء أجسادنا كل عام، حينما تهب نسائم البرد، ونعمد إلى إخراج ملابس الشتاء، ظنا منا أن هذا هو الحل لهذه المشكلة.
