أصبح مؤسس موقع ويكيليكس مطلوبا في قضية جنائية ليتم القبض عليه وإخضاعه لصرامة القانون الجنائي في جريمة اغتصاب سهلة الادعاء، وأسهل من الادعاء بها إثباتها متى وجدت الدوافع للإدانة والعقاب، ورغم أن الشعور بالعدالة في هذه القضية ليس إيجابيا فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان مؤسس الموقع مختفيا عن الأنظار حتى يتعذر طلب شخوصه إلى المحكمة المختصة لمحاكمته؟ أم أن ما جرى بينه وبين المدعية لم يكن يستحق الادعاء ضده، قبل أن ينشر ما وصل إليه من وثائق؟
إن السياسة الدولية في مأزق بين المصالح من جهة والقيم من جهة أخرى، ولعل أكبر الواقعين في هذا المأزق الولايات المتحدة، والتي عبر أحد رؤسائها السابقين عن حجم هذا المأزق في كتاب سماه (قيمنا الأمريكية المعرضة للخطر)، ذلك هو جيمي كارتر الذي أعلن بداية مشوار السلام مع شركاء رحلوا وبقي وحده شاهدا على المسافة بين السلام وما يجري في عالم اليوم من خطر حروب ساخنة جدا، تخفي خلفها أرشيفا ضخما موزعا بين مكاتب الساسة في عواصم العالم.
والأهم من كل ذلك هو شعور المجتمع الدولي ممثلا بالشعوب وثقته نحو العدالة الدولية، فرغم ما يقال ويعلن من مبررات تقف خلف تشكيل محاكم خاصة لمعالجة قضايا ذات بعد دولي، إلا أن من لا يفقه شيئا في السياسة يكاد يجزم أن العدالة والقيم ليست هدفا ولا غاية لبعض تلك المحاكمات، إن لم يكن كلها ففي العالم جرائم يغض الطرف عنها بل تأخذ طابع الشرعية ويتم إلباسها ثوب القانون بقوة القانون.
لقد جاءت الوثائق المنشورة لتهز الثقة في الأمناء عليها، فالتسريب كشف للوثائق من الداخل وليست هناك قرصنة أو اختراق! وهنا يمكن الجزم أن لب المشكلة في توافر القناعة لدى بعض من لديهم أصول أو صور لوثائق مهمة في نشرها وكشف ما تخفيه، وإذا افترضنا أن ذلك دون مقابل فهذه كارثة لمن تمسهم تلك الوثائق، وإذا كان ذلك تبرعا فهو مصيبة أكبر لأن ذلك يعني أن من المؤتمنين على حفظ الوثائق المسربة من يرى أن المصلحة تقضي عدم الصمت إزاء ما يجري من انحدار في مجريات الأحداث الدولية.
الخطورة الحقيقية أن تجربة العالم في صناعة مبررات الكوارث ليست جديدة، ففي مثل هذه الظروف ولدت حروب عالمية وانهارت منظمات دولية وتداعى الأمن والسلم الدوليين إلى أدنى الدرجات، وانقسم العالم إلى تحالفات ضخمة استمرت عقودا، وكان سببها الرئيس انهيار كامل في سيادة القانون الدولي واحترام حقوق الدول الأضعف، ما جعل القوة هي الوسيلة الفاعلة في بناء المطامع وتضخيم المنافع، يقودها المصالح التي تمليها رغبة الأقوياء.
ويمكن النظر إلى ما جنته بعض دول العالم من منافع لاستخدامها القوة أو التلويح بها على أنها غنائم حرب وليست نتاج توازن في العلاقات بين الدول، كما أن تجزئة دول بعينها وتقسيمها بخلق أزمات داخلية فيها وتغذية صراعات طائفية أو قبلية، تعني أن برنامج تمزيق خريطة العالم وإعادة تقسيمه ومقاومة التقسيم هي أبرز ملامح السياسة العالمية اليوم.
لقد فتح موقع ويكيليكس حالة من تقصي الحقائق في إدارة العالم اليوم، حيث تقف المنظمات الدولية وأهمها الأمم المتحدة موقف المتفرج، رغم جمعيتها العمومية التي يجب أن تأخذ المبادرة من خلال حوار بين أعضائها تشترك فيه، لفهم النوايا وجدول الأعمال غير المعلن للدول التي خرقت القانون الدولي، وجعلت من نفسها فوق المساءلة، مكتسبة حصانة لا وجود لها في العرف الدولي.
إن انهيار السلم الدولي هو أخطر ما يهدد العالم، ففي أكبر قاراته آسيا وإفريقيا تقع معظم الأزمات الدولية، ولم يعد في هاتين القارتين بقعة خارجة عن الحد المألوف للخلافات بين الدول، فالتوتر الشديد يصل إلى حافة الهاوية، والحرب تكاد تكون ختام التراشق بين الساسة، والذي كانت تسريبات الوثائق فيه أدلة يسوقها بعض الأطراف كشواهد على ذلك التباين الذي قد يفتح سباقا للتسلح، أو قد يدفع أحد الأطراف للتهور وإجهاض السباق قبل أن يبدأ.
