كيف استطاعت محافظة عنيزة بجهود ذاتية محلية أن تحقق ما عجز عنه الكثيرون؟! سؤال يطرحه كل من أتيحت له فرصة زيارتها من سياح ووفود رسمية قدموا إليها من جميع مناطق السعودية لتشدهم وتبهرهم تجربتها المميزة في التنمية المحلية. تنمية تمت عبر شراكة مجتمعية حقيقية بين جميع الأطراف المؤثرين والمتأثرين بالقرارات التنموية في المحافظة. إنها الرؤية المشتركة لما ينبغي عمله والرغبة الجامحة في التطوير للأفضل والحب الحقيقي العملي الصادق لأهالي عنيزة لمحافظتهم، هي عوامل النجاح التنموي الذي تشهده هذه المحافظة الصغيرة جغرافيا، الكبيرة بثقافة أهلها، المميزة التي تستند إلى البذل والعطاء والتعاون والانفتاح على الآخرين، ولكن يبقى السر وراء هذا الإنجاز قيادي متميز استطاع أن يصنع رؤية ويستكشف الإمكانات ويوظفها ويدفع الجميع بحماس بالغ وإيمان عميق نحو تحقيق الأهداف المشتركة. إنه محافظها الشاب المهندس مساعد اليحيى السليم المفعم بالحيوية والطاقة المتدفقة والأفكار الإبداعية بفكر يوازن بين الأصالة والمعاصرة، فالرجل لا يكل ولا يمل يعمل على مدار الساعة سبعة أيام في الأسبوع داخل المحافظة وخارجها، يبحث في كل الاتجاهات وعلى جميع المستويات عن كل ما يسند ويدعم جهود التنمية الجماعية المشتركة في المحافظة. فكرته أن يجعل عنيزة لجميع الوطن مشرعة الأبواب ترحب وتستقبل الجميع، فالدعوة لتنميتها نابعة من أفق واسع وعقلية منفتحة ومحبة صادقة ونظرة تتعدى الإقليمية بمصالحها الضيقة وعنصريتها البغيضة والانكفاء على الذات والانغلاق والتحجر والتفاخر المذموم. رؤيته ومعه أهالي عنيزة عبر لجنتهم الخيرة الاحترافية، أن تكون عنيزة الوجهة السياحية الأولى في المملكة على مدار العام، ويعملون من أجل ذلك بكل ما أوتوا من قوة بإيمان عميق ونظرة متفائلة وجهود متفانية حسب خطط دقيقة ومعايير فنية عالية وعمل دؤوب تسوده روح الفريق. لقد ارتأوا وبعد نقاشات طويلة أن خيارهم الاستراتيجي هو تبني السياحة كقاعدة اقتصادية ينطلق منها العمل التنموي المحلي. رؤيتهم تطبيق التنمية المستدامة بمفهومها الواسع بما في ذلك الجوانب الثقافية والاجتماعية. لم يرغبوا أن تتحول مدينتهم إلى ورشة عمل صناعية تجلب لهم ما يفسد نقاء ووداعة وجمال مدينتهم ويعكر صفو الهدوء وروعة المكان.
ربما تساءل البعض: كيف لعنيزة المدينة اليافعة التي تعيش وسط الصحراء أن تنافس مدنا أخرى تمتلك مقومات اقتصادية وميزات سياحية تفضيلية؟ وهو تساؤل في محله خاصة لأولئك الذين يرونها من بعيد ولديهم مفهوم ضيق للسياحة يقتصر على اعتدال الطقس في فصل الصيف أو وجود شواطئ بحرية. هؤلاء لا يستطيعون تصور أو تصديق أن عنيزة باتت قاب قوسين أو أدنى من احتلال مركز متقدم ضمن المدن السياحية المميزة. ليس المناخ ولا الموقع وحده عامل الجذب السياحي، ولكن ثقافة الترحاب والضيافة والانفتاح على الآخرين وتكاتف الأهالي والأجهزة الحكومية المحلية في إنجاح مشروع السياحة المحلية. لم يعد الموقع أساسا لنمو الاقتصاد المحلي في كل أنحاء العالم ففي ظل المد العولمي والتقدم التقني في مجال الاتصال هناك تحول من اقتصاد الموقع إلى اقتصاد المكان بما يحويه من تميز ثقافي وهوية محلية وقدرات بشرية وما تنتجه تلك الثقافة من منتجات وخدمات ليس لها مثيل في أي مكان آخر. فهذه عنيزة تنجح في كسب عوائد اقتصادية كبيرة سنويا من مشروعها السياحي بعدما استوى عوده ليغطي التكلفة ويزيد، ومع ذلك لم يكن على حساب البيئة، فهناك نظام صارم للحفاظ على شجيرة الغضا لتكون أكبر محمية في العالم لهذا النوع من النبات بمبادرة ذاتية وشراكة بين جهازي الزراعة والبلدية. المشروع وما تم ابتكاره من وسائل وبدائل وتوظيف للتقنية خارج النمط البيروقراطي أكبر من أن يختزل في سطور. وهنا لا بد من الإشادة بجهود المهندس إبراهيم الخليل رئيس بلدية عنيزة كمثال للقيادات الإدارية المحلية المبدعة والمبادرة التي تفكر خارج الصندوق.
لقد حظيت بزيارة محافظة عنيزة الأسبوع الماضي لتقديم ورشة عمل حول إدارة التغيير والتطوير التنظيمي ضمت رؤساء الأجهزة الحكومية في المحافظة، ولقد أدهشني وأسعدني ما يملكه هؤلاء القياديون المحليون من مستوى عال من الوعي والفكر الإداري والدافعية نحو الإنجاز واتباعهم نهج العمل التعاوني الجماعي، وهو أمر واضح وجلي، فعنيزة بالنسبة لهم المنتج النهائي وهي محل الاهتمام وليس الإجراءات البيروقراطية المطولة. هكذا تصب كل الجهود في العمل المشترك بتناغم وبكفاءة وفاعلية يغلفه حب وافر وعشق كبير لمدينتهم. ربما كان هذا الحب الجارف القوة الخفية للمجتمع العنيزاوي فلا تكاد تقابل أحدهم إلا ورأيت عنيزة في عيونه ووجدانه ينبض بها قلبه وينطق بها لسانه لتسمع الترحيب الذي يفوق الوصف بكلمات عذبة جميلة المعاني ودعوة صادقة للضيافة تؤكدها الأيادي التي تصافحك بحرارة وبشاشة تعلو محياهم، كيف لا وهم تربوا على ثقافة الترحاب وعلموا منذ الصغر أن سمعة عنيزة مقدسة لا يمكن لأي أحد المساس أو التهاون بها بتصرف لا ينسجم مع هذه الثقافة. هكذا توارثت الأجيال هذه السمة الاجتماعية البارزة، وربما تكون العلامة المسجلة للسياحة العنيزاوية التي تصنع الفرق.
لقد تحولت هذه الثقافة إلى جهود مؤسساتية وخدمات اجتماعية منظمة وشكلت انطلاقه للعمل التطوعي الرائع المتميز الذي قلما تجده في مكان آخر. وأجد نفسي عاجزا عن وصف كل تلك الجهود والأنشطة والمشاريع المتميزة والمتنوعة والمتعددة وبتمويل ذاتي، فضلا عن ذكر الأفذاذ الذين يعطون بصمت. لقد حرص أهالي عنيزة على ارتباطهم بمدينتهم ارتباطا عمليا وثيقا إيجابيا عبر نشاط تطوعي غاية في التفاني والمهنية والحرص والأمانة والاستجابة لمتطلبات المجتمع المحلي بتقديم خدمات مطلوبة ومتميزة وعلى درجة عالية من الجودة. لم يكن توفير الموارد المالية العامل الأهم، بل الرؤية الصحيحة لما ينبغي عمله، فالتمويل لا يكفي لإنجاح المشاريع وإنما معرفة الأولويات والصرف حسب رؤية واضحة.
لقد وضع أهالي عنيزة السلم على الجدار الصح وبدأوا صعوده درجة درجة وبخطى ثابتة يدفعهم الطموح والتطلع للأفضل، مستندين إلى ثقافة بناها الأجداد في أن "من جد وجد" والنجاحات المتعددة التي حققوها حيثما أقاموا في أماكن مختلفة من هذا العالم الفسيح. ولذا لم يكن مستغربا أن تزخر عنيزة بهذا الكم الهائل من مؤسسات العمل التطوعي والخيري وبمستوى عال من الجودة أهلها لأن تتصدر قائمة العمل الجماعي على مستوى الوطن، وأن تكسب الكثير من جوائز التميز اعترافا بتفوقها وجدارتها. لقد كان للنهج الإداري للأجهزة الحكومية المحلية دور مميز في نجاح تلك الجهود التنموية، وجوهره أن العمل المحلي لا يمكن اختزاله في دائرة ضيقة من الإجراءات الإدارية البيروقراطية الرتيبة، فالمجتمع المحلي أصبح اليوم أكثر نضجا ودراية وفي الوقت ذاته أكثر تعقيدا ما يتطلب نهجا إداريا قادرا على تحقيق مصالح السكان الآنية وتطلعاتهم المستقبلية. إنها ببساطة صناعة التميز.
