سؤال مهم يراودنا دائما، وهو: ألم يحن الوقت لبناء المتحف الإسلامي العظيم في بلد الإسلام مكة المكرمة التي تزخر بالآثار الإسلامية الفريدة، أم إننا ما زلنا نصغّر عقولنا ونلغي تاريخنا وحضارتنا ونرهنها لمسلمات عتيقة ما أنزل الله بها من سلطان وتقوم على الكذب والتضليل.
لقد قرأت أخيرا في صحيفة ''الشرق الأوسط'' بتاريخ 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2010 حوارا صحافيا مهما أجرته الصحيفة مع الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، والحديث فيه الكثير مما يجب أن نعرفه عن اهتمام الدولة بالآثار التي تكتظ بها بلادنا من أقصاها إلى أقصاها، والتي تؤكد بأن المملكة العربية السعودية هي بلد الحضارات الإنسانية التي أنعم الله عليها بنعم الحضارة الإسلامية الخالدة.
ومن أجمل العبارات التي قالها الأمير سلطان في حواره الصحافي إن المملكة العربية السعودية ليس بلدا طارئا على التاريخ، وإنما هي بلد يأتي في مقدمة الدول التي صنعت التاريخ الإنساني والحضارة الإنسانية.
وفي حواره الممتع أخذنا سموه في جولة ميدانية على أهم الآثار في المملكة، حيث تنقَّل بين الآثار في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ثم عرج إلى الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى التي انضمت إلى قائمة التراث العالمي بسباعة وشطارة كل المسؤولين الذين بذلوا جهودا جبارة حتى انضمت الدرعية رسميا إلى قائمة التراث العالمي.
والذي أعجبني في حديثه، أنه أقر بجهود أفراد كثر قبله بذلوا جهودا حثيثة على طريق الاهتمام بالآثار وعلى طريق تسجيل هذا التراث في قائمة التراث العالمي، ونخص بالذات جهود الدكتور عبد الله المصري وكيل وزارة المعارف لشؤون الآثار الأسبق الذي كافح كثيرا لتجاوز أرتال من العقبات التي كانت ترصف أمامه بغير وجه حق، وإزاء هذه النقطة المهمة أكد الأمير سلطان بن سلمان أن الحكومة تتبنى سياسة وطنية واضحة تستهدف تسجيل المواقع التاريخية والتراثية الواقعة في أراضيها، وأكد سموه بأن الحكومة السعودية لم توافق إطلاقا على إلغاء تراثنا وتاريخنا واعتباره نكرة يجب الازدراء منه بحجج واهية لا تمت إلى الدين الإسلامي الحنيف بأي صلة.
نعم. إن السعودية اتخذت قرارا بضرورة تسجيل المواقع التاريخية والتراثية ضمن قائمة التراث العالمي وفسحت المجال أمام كل الناس لزيارة هذه الأماكن لا لعبادتها - كما يدعي المدعون - ولكن للزيارة وزيادة المعرفة وأخذ العبر من التاريخ والفخر بأرض الحضارات، والمملكة بهذا العمل المجيد وهذه السياسة الحكيمة تقدم نفسها إلى العالم على أنها صاحبة الحضارات الإنسانية الخالدة، وإنها تملك الأرض التي شع فيها نور الإسلام الحنيف وأضاء للإنسانية سبل الهداية والرشاد والتنوير. ولذلك فإن مكانة السعودية اليوم تقوم على ما كانت عليه منذ تاريخ الحضارات الغابرة التي سطعت في أراضيها، وازدادت أهمية هذه البلاد منذ أن شرفها الله سبحانه وتعالى بنزول الوحي على سيد البشرية وطلب منه أن يبشر الناس بالدين الإسلامي الأقوم وشرف أراضي المملكة بأن يكون الحَرَمان الشريفان على أرضها وأنار بهما طريق الإنسانية. ويضيف الأمير سلطان قائلا لصحيفة ''الشرق الأوسط'': لم يكن عفويا انطلاق هذا الدين العظيم من هذه الأرض المباركة؛ لذلك من الجريمة أننا نحن سكان الجزيرة العربية نُحرّم آثار هذا الدين ونلغيه من حياتنا، ونؤكد بأنه لا يوجد بلد في الدنيا لديه عُشْر معشار ما لدينا من آثار وليس له متحف عظيم يزوره الزائرون من كل أنحاء العالم.
ونتيجة طبيعية لعدم وجود متحف إسلامي عظيم في بلادنا، فإن هيئة الآثار تقوم بجهود جبارة للوصول إلى قلب العواصم الغربية وإقامة معارض الآثار السعودية في كبريات العواصم، وهي فكرة حضارية وناضجة للوصول إلى عمق الحضارة الغربية؛ لأن الهدف من إقامة معرض الآثار في برشلونة - على سبيل المثال - هو تعريف العالم الغربي بأن المملكة ليست دولة نفطية فحسب، وإنما صاحبة أعظم الحضارات الإنسانية، التي نشأت على أرضها وفي بطاحها وبين وديانها وسهولها، ثم شهد وادي مكة المكرمة نزول الوحي على سيد البشرية محمد - صلى الله عليه وسلم - بأن ينادي بالإسلام دينا سماويا للبشرية جمعاء.
ويؤكد الأمير سلطان في حواره الرائع مع صحيفة ''الشرق الأوسط'' بأنه سينطلق في الأيام القليلة القادمة بملف جدة التاريخية إلى قائمة التراث العالمي، ولكن الأمير سلطان لم يخف خشيته من أن يندثر تاريخ جدة باندثار مبانيها القديمة ومعالمها التاريخية العتيقة، ويعترف الأمير سلطان بأن ملف جدة معقد أكثر بكثير من ملف الدرعية، ويقول: نخاف على جدة أن تندثر كما اندثرت بعض مبانيها القديمة، وإذا تلاشت آثار جدة التاريخية ستكون خسارة كبيرة لكنوز المملكة الأثرية.
ولا شك أن أهم ما نتمناه في المتحف الإسلامي المأمول إنشاؤه في مكة المكرمة أن يعود بيت الرسول - صلى الله عليه وسلم، وبيوت أمهات المؤمنين والصحابة والصحابيات ودار الندوة ودار الأرقم إلى المتحف في صورة قريبة من ذلك التاريخ العريق، بل نرجو أن يكتظ المتحف الإسلامي العظيم بكل المقتنيات التي تَمُتّ إلى ذلك التاريخ الإسلامي العريق؛ حتى يكون المتحف معبرا عن الإسلام وعن الحضارة الإسلامية التي عمّت جميع أنحاء الكرة الأرضية، وظلت تبني الأمم والمجتمعات لمئات السنين.
وإذا كانت بيوت الصحابة والكثير من المعالم الإسلامية قد هدمت في مشاريع التوسعة، فإن كتب التاريخ والتراث تحفل بالوصف التفصيلي لكل معمار هذه الآثار والمعالم، وبالإمكان أن نستحضر هذه المعالم ونعيد بناءها؛ حتى نقترب من الصورة التي كانت عليها في صدر الإسلام.
إن الدول العظمى في عالم اليوم تحارب من أجل استعادة موقعها في الحضارة الإنسانية، والمملكة تزخر أراضيها بالآثار والمعالم التاريخية الماثلة التي تشهد بمساهماتها في بناء الإنسان ونشر الحضارة وعمارة الأرض والكون، ولا يفصل بيننا وبين إشهار معالمنا الحضارية إلاّ بناء المتحف الإسلامي العظيم.
