يستمر المجتمع متقدماً، في إطار الأصالة، في مسيرة تطوره الذاتي والحضاري، مشذباً رؤيته الثقافية، في إطار العقيدة المصانة.. ومتطلعاً إلى التطوير المستمر للمؤسسات المدنية، ومن ضمنها تحقيق وتفعيل مهام اللجان العمالية، كلجان استشارية، تسهم في تطوير الثقافة العمالية المحلية والإقليمية، خاصة، بعد صدور قرار إنشاء "اللجنة التأسيسية للجنة الوطنية للجان العمالية في السعودية".
وإذا عدنا إلى مهام هذه اللجان، فسنجدها تركز على مساعدة الشباب السعوديين والشابات، وكذلك الوافدون، على نيل الثقافة العمالية، وتخص المواطنين لتأخذ بأيديهم، وهم يواجهون ذلك التحدي المذهل للجدية والعمل والإنتاج، الذي فرضته القرية الكونية، في محاولة لتجاوز شوائب "الأنا السعودية المفكرة" إلى رحابة "الأنا السعودية الفاعلة"، وبالتالي، علينا ألا نأخذ تشكل هذه اللجان كإرضاء للفكرة، بل إرضاء للواقع – للوجود - دون أن يغيب عن فكرنا أن اكتمال تشكل شخصيتها، لن يتحقق دون ضوابط منهجية وعلمية، قابلة للتنفيذ، تشارك فيها كافة المؤسسات ذات الصلة؛ حتى يترعرع هذا الوليد في رحم تراكمات من المعرفة، فنكون جميعاً أهلاً لإظهاره وقد قارب على الاكتمال، ليشكل ذلك إنجازاً، بخاصة في خضم تنظيرات: السعودة، والقضاء على البطالة، وإلى ما هنالك من مصطلحات طارئة.. لا بد أن تغيب يوماً، لتغيب معها النظرات التشاؤمية التي تشكك في جدوى مساهمة هذه اللجان.
يبقى، أن أهم منغصات مسيرة اللجان العمالية المُشكَّلة، هو الشعور بتباطؤ وزارة العمل في استحضار الاهتمام المطلوب لتثبيت أقدامها، من حيث الإلزام والتفعيل والمتابعة والتطوير؛ حتى تستطيع إثبات ذاتها من خلال منهاج أو دستور تضعه، وتعمل على تطويره، باستمرار، لينير لها الطريق للوصول إلى النجاح، توضح من خلاله الأهداف، وكذلك الأسلوب لتحقيق هذه الأهداف، بشكل علمي وموضوعي، وتطوِّر تقنية التواصل فيما بينها وبين ناخبيها، وفيما بينها وبين سائر اللجان، لتبادل الخبرات والآراء، في سبيل التقويم المستمر للذات وللآخر، والارتكاز على أفق منظور يعطيها مدى لا حدود له من التقدم المستمر، على أن يتناسب كل ذلك مع طبيعة المنشأة من جهة، وطبيعة ومؤهلات وثقافة المجتمع العمالي المحلي من جهة أخرى، فيساعدها ذلك على بدء السير بخطى واثقة على أرض واقعية، قد تتخللها فترات إحباط نتيجة للافتقار الحالي للثقافة العمالية، الذي لا بد من تجاوزه على الدوام في الوقت الحاضر!
كذلك، على هذه اللجان المُشَكَّلة، إذا أرادت النجاح، أن تأخذ بعين الاعتبار أن أصعب المراحل في عملية البناء هي مرحلة التأسيس إذ، كلما كان التأسيس احترافياً سمح بتخطي "الميل الأول" بثقة تجعل تخطي الثاني أسهل، وبالتالي، لا بد أن تتجاوز عملية التأسيس والبناء العمر الافتراضي لتشكل هذه اللجان في دورتها الأولى، والمقدرة بثلاث سنوات، لا بل وحتى الدورة الثانية أيضاً، وربما الثالثة! لنصل إلى وقت تصبح فيه الثقافة العمالية حاضرة، فتكون حينئذ تلك اللجان قد أنجزت المرجو والمأمول منها، لا بل وتكون قد حققت الهدف المنشود من وجودها.. فكلما كان تأسيس اللجان الأولى، وهي السبّاقة، احترافياً، كان إرث اللجان اللاحقة غنياً، فاللجان التأسيسية هي البذرة الأولى، التي ستستلهم سائر اللجان المتعاقبة تجاربها وما وصلت إليه.. وبالتالي، فإن نجاح اللجان الأولى يحتاج إلى تكاتف أعضائها والعمل الدؤوب، والتضحية، في سبيل الوصول إلى أعلى مستوى من الإيجابية في التأسيس، ولن يتحقق ذلك إلا حين يعتبر أعضاء اللجان المنتخَبين أنفسهم جندا مجهولين، وضعوا الأسس ثم رحلوا، بعنفوان وعزة، لمساهمتهم الفذة في تطوير مجتمعهم، والذي سينعكس على الصُعد الأخرى، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية... فيكون أجرهم عند ربهم كبيراً، وتكون سيرتهم في مجتمعهم عطرة..
وهذا التنظير، لا يمكن له أن ينجح ما لم يتحقق الدعم المطلوب لهذه اللجان من قبل وزارة العمل وأصحاب العمل، إذ إن عدم رغبة الطرفين، أو أحدهما، في تفعيل هذه اللجان، سيؤدي إلى فشلها، خاصة، أن أعضاء اللجان المعتمدة لا يزالون يتقدمون ببطء، ومن موقع المتفرجين أكثر منه من موقع الفاعلين، وفي الغالب الأعم، لا يملكون كافة الأجوبة عن الأسئلة الكثيرة المطروحة عليهم من قِبل ناخبيهم!
