مع تصاعد الدعوات لتحقيق الإصلاح السياسي بالبلدان العربية، ارتفعت وتيرة المطالبة بتدشين مؤسسات المجتمع المدني. أصبح هذا المطلب يتصدر البيانات السياسية والنشرات الدورية ذات العلاقة بموضوع التنمية والتحديث والنهضة. وقد أصبح حضور المفهوم قويا، بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) عام 2001، حين طرح المحافظون الأمريكيون الجدد بقوة إعادة صياغة الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، المعتمدة على التفتيت. وكانت الشعارات الأثيرة لهذا المشروع هي فرض قيم الديمقراطية، والمشاركة الشعبية في صناعة القرار السياسي. وبناء مؤسسات المجتمع المدني، ولو تطلب ذلك استخدام القوة العسكرية.
ارتبط مفهوم "المجتمع المدني" المعاصر، بالحرب الباردة، والصراع بين القطبين العظميين. وبرز ذلك بشكل واضح، في التأييد الغربي لنقابة التضامن البولندية، والمؤسسات الكنسية في أوروبا الشرقية، المعادية للشيوعية، والتي كانت ترفع بقوة يافطات حقوق الإنسان. لكن الترويج له بهت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية، فقد فقدت الدعوات له من قبل الغرب، مبرر وجودها.
بعد إعادة الترويج للمفهوم، من قبل إدارة الرئيس الأمريكي، جورج بوش بعد تدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وأجزاء من مبنى البنتاجون في العاصمة واشنطون، تماهى عدد كبير من المثقفين العرب، مع شعار بناء المجتمع المدني. ورأى آخرون، غرابة في ذلك، لأن مجمع المدينة في منطقتنا هو بقدم دمشق وأم القرى والإسكندرية وحلوان والطائف وبغداد والقاهرة والموصل وصنعاء وصفاقس. لقد كانت هذه المدن، ولا تزال، عامرة بالحياة والحركة، ومختلف أوجه النشاطات الاجتماعية. وإذن فالمجتمع المدني ليس فكرة دخيلة علينا.
وهنا يغيب الفرق بين وجود مجتمع إنساني في منطقة ما وبين الدور الذي يمارسه في تقرير مصائره وأقداره. إن مفهوم المجتمع المدني قد استخدم بمدلولات سياسية واجتماعية، ليس لها علاقة بتقرير ما إذا كانت هناك تجمعات بشرية في بقعة ما من كوكبنا، ولا بالدور الذي اضطلعت أو تضطلع به في صناعة الإمبراطوريات والحضارات التي سادت حتى يومنا هذا. إن المقصود بالمفهوم، على وجه الدقة هو القيمة التي يضفيها وجود هذه الكتل البشرية على صناعة القرار السياسي، وتوجهات الدولة. وعلى هذا الأساس، يتحدد عمق أداء المجتمع المدني من خلال إسهاماته المباشرة وغير المباشرة في العملية السياسية برمتها.
وأصل المفهوم، يعود للحضارة اليونانية. وكان فلاسفة اليونان، وفي مقدمتهم أرسطو، أول من استخدم تعبير المجتمع المدني في أدبياتهم. ففي كتابه السياسة ناقش أرسطو دور المجتمع الأثيني في صناعة القرار. لكنه انطلق من موقف تاريخي، جعله يقسم المجتمع الأثيني إلى عدة شرائح. ولذلك اختزل تعريف المجتمع المدني على شريحة واحدة من ذلك المجتمع، هي طبقة الأشراف والنبلاء الذين يملكون، من وجهة نظره، الأهلية لكي يكونوا مكتملين إنسانيا. أما النساء والعبيد والبرابرة فلا يحوزون على الأهلية التي يملكها النبلاء والأشراف، فهم مستبعدون من العملية السياسية. ودورهم لا يتعدى خدمة الطبقة "المؤهلة إنسانيا".
في الثورات الاجتماعية الحديثة، خاصة الثورتين الفرنسية والإنجليزية تطور مفهوم المجتمع المدني ليشمل شرائح أوسع، لكنه أبقى على نظام العبودية، ولم يتم تجاوزه، إلا بعد معركة تحرير العبيد التي قادها أبراهام لينكولن في أمريكا الشمالية، وكانت في أحد أوجهها تعبيرا عن أفول مرحلة الإقطاع، وانطلاق مرحلة التصنيع في أوروبا وأمريكا. وخلال هذه المرحلة أنيط بمؤسسات المجتمع المدني تقاسم السلطة، على أسس طبقية ومهنية ودينية وحرفية. وأعلن الدستور الفرنسي لأول مرة أن الناس يولدون أحرارا، وأنهم أمام القانون متساوون في الحقوق والواجبات.
في الثورات الاشتراكية، غيب "المجتمع المدني"، بمفهومه الليبرالي، وأصبح الحزب "الطليعي" هو الذي يقود المجتمع والدولة. وغدت الاتحادات المهنية والنقابية تابعة للحزب، والدولة. وتحولت إلى نسخ كاريكاتورية مشوهة، عطلت فيها روح الإبداع والمبادرة. وإذا، فالمجتمع المدني، ليس مفهوما ساكنا، بل نتاج هياكل اجتماعية فرض وجودها التطور التاريخي، وأصبح من غير الممكن على صانع القرار تخطي أدوارها. لكن ذلك يستدعي مناقشة الدور الذي يمكن أن تضطلع به هذه المؤسسات في لحظة محددة، وهل هو إيجابي دائما، أم أنه رهن لشروط موضوعية؟
وحتى لا نذهب بعيدا في التنظير، نأخذ بعض الأمثلة: في الولايات المتحدة، تختزل مؤسسات المجتمع المدني الرئيسة، في عدة فئات، تشكل مجتمعة قوة الضغط على صانع القرار، ولها دورها الذي لا يستهان به في التأثير على صانع القرار. فهناك قوة ضغط Pressure GROUP تضم كبار الموظفين، وهناك مجموعة المصالح INTEREST GROUP وتضم الاتحادات المهنية: عمال سكك الحديد، والنفط ومناجم الفحم، ومزارعي القمح وبقية الاتحادات المهنية. وهناك قوى ضغط أخرى، تتبنى الدفاع عن حقوق إثنية ودينية، يأتي في مقدمتها المؤسسة الكنسية، واللوبي الصهيوني (الإيباك). وليس سرا، أنه منذ عهد الرئيس هاري ترومان في نهاية الأربعينيات حتى يومنا هذا، لم يتمكن مرشح أمريكي للرئاسة من الوصول إلى سدة الحكم دون مباركة اللوبي الصهيوني، وبمساعدة ودعم من قوى ضغط أخرى.
النقطة الجديرة بالتسجيل في هذا السياق، هي أنه في ظل سيادة مؤسسات المجتمع المدني، تتحلق كل شريحة اجتماعية من أجل مصالحها الخاصة، على أسس طبقية أو حرفية أو دينية أو إثنية. إن مهمتها الأساسية هي الدفاع عن منتسبيها، وليس عن المجتمع. ومن هنا تضيع حقوق الطبقات الدنيا التي لم تنتظم بعد في عملية تأسيس المجتمع المدني، ويصادر دورها. لقد أدرك عدد من المفكرين خطورة هذا الجانب على عملية صناعة القرار السياسي، فعالجوا ذلك بالدعوة إلى تأسيس جمعيات وأحزاب، مهمتها طرح البرامج الشاملة، لتطوير المجتمع بشكل أفقي، حيث تشمل نتائج خطط التنمية القاعدة العريضة من الجمهور. وهكذا تجري العملية الانتخابية على أساس برامج وطنية يتنافس عليها المرشحون. إن اقتصار مشاريع النهضة على مؤسسات المجتمع المدني، من شأنه تغييب المشروع الوطني، وإضعاف البرنامج السياسي والتنموي، لتحل محله برامج فئوية، تختزل المجتمع في المصالح الذاتية والنزعات الأنانية، وتغيب حقوق المجتمع. وذلك ما يتطلب مناقشة أعمق، لعلنا نتمكن من مواصلتها في حديث قادم.
