منذ فترة ليست بالقصيرة وإلى عهد قريب، اصطبغت الممارسة الطبية في العالم بصبغة خاصة، وتلبستها طبيعة معينة نأت بها تدريجيا عن البعد الإنساني، وجعلتها تنتقل باهتمامها من معالجة الإنسان بوصفه إنسانا إلى معالجة (الحالة) أو (المشكلة الطبية) أو (الاختلالات الإحيائية والفسيولوجية)، والنظر إليها ومعالجتها، وفقا لذلك عبر التناول التقني والعلمي الصرف ذي الطبيعة الجافة التي لا تستحضر الإنسان بمجموعه وما ينطوي عليه مرضه من معاناة نفسية واجتماعية ووظيفية.
وصار الأطباء يتكاثرون في تخصصات شتى تزداد تفرعا يوما بعد يوما، وتضيق مع تلك التخصصات دائرة الاهتمام من الإنسان إلى واحد من أجهزته، بل إلى واحد من أعضائه، بل إلى بعض من أمراضه، وغابت عنهم تبعا لذلك الصورة الشاملة التي تستحضر الإنسان بكليته، وما تمثله حياته من ناتج متميز لا يتكرر، للتفاعل الخفي اللطيف بين البعد الحيوي والنفسي والاجتماعي. وصار بعض الأطباء ينظر إلى كل مراجع في عيادته، وإلى كل مريض منوم في مشفاه على أنه نسخة مطابقة لمن قبله كأنما هم نتاج مصنع تعليب واحد لا تختلف نسخه بحال، لأنه فيما اعتاده من تعليم وتدريب على يد من سبقه ينظر فقط إلى مستوى الكالسيوم في الجسم أو لمستوى هرمون الغدة في الدم أو الصورة التشريحية لعظام اليد، وفي ذلك يتطابق الناس ولا شك فيراهم سواء لا يختلفون. لكن الإنسان بتركيبته المعقدة وتفاعلاته المميزة بين العوامل المؤثرة فيه هو أكثر من مواد كيماوية وتراكيب تشريحية وتفاعلات فسيولوجية.. ولهذا يفاجأ الأطباء بأن ما يقومون به من جهد مضن في التشخيص والمعالجة والمتابعة لإعادة الأمور إلى نصابها فيما يحصل من اختلال عضوي أو إحيائي أو كيماوي أو فسيولوجي لا ينجح في كثير من الأحيان في إعادة البسمة إلى من غابت عنه، ولا الحياة الاجتماعية النشطة لمن افتقدها، ولا الكفاءة الوظيفية لمن قعد به المرض، لأن الوسيلة غلبت أو غيبت الغاية في نهاية المطاف! هذا الخلل في الممارسة الطبية قرع جرس إنذاره في الوسط الطبي، واستدعى إعادة النظر في مكمن الخلل، رغم التقدم العلمي الهائل في وسائل التشخيص والمعالجة، وصار الحديث يتردد في كل مكان عن ضرورة إعادة تأهيل الأطباء في مرحلة البكالوريوس ومرحلة الدراسات العليا والزمالات الطبية بما يعيد الأمور إلى نصابها، ويصبغ الممارسة الطبية بصبغتها الإنسانية التي لا تنسى رعاية الإنسان في زحمة اهتمامها بالمرض.. وعن ذلك نتحدث لاحقا ـــ إن شاء الله.
