الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 17 مارس 2026 | 28 رَمَضَان 1447
Logo

الخديعة في مواجهة نفسها

أحمد البابطين
أحمد البابطين
الأحد 5 ديسمبر 2010 23:20

صوت الكنيست الإسرائيلي على قرار الانسحاب من القدس الشرقية أو هضبة الجولان في أي مباحثات مستقبلية، مشترطا إخضاع ذلك لاستفتاء شعبي يقول فيه الإسرائيليون رأيهم كمستند ومرجعية لأي قرار قد تتخذه حكومات إسرائيلية قادمة.

قرار اللجوء إلى صوت الشعب الإسرائيلي هذا يعد استخفافا بالقرارات الدولية، ومخالفة صارخة مقصودة لها، خصوصا القرار 242 القاضي بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وبالتالي فهو ليس أكثر من قطع صريح للطريق على أي سلام ممكن، مثلما هو في الوقت نفسه قرار غير مفاجئ في ظل قيادة صهيونية متعصبة في يمين الطيف السياسي الإسرائيلي من رئيس الوزراء نتنياهو إلى وزير الخارجية ليبرمان والأحزاب الداخلة في الائتلاف.

لكن لماذا جاء مثل هذا القرار في هذا الوقت بالذات؟ قد يكون الجواب المباشر هو تشبع نتنياهو وحكومته بفكرة عنصرية الدولة اليهودية قناعة بأن ذلك فعلا هو الهاجس الجمعي للشعب الإسرائيلي قطعيا، غير أن الطرف الفلسطيني والعربي والإقليمي والدولي، بعد انهيار المباحثات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين وانجلاء المشهد العالمي بكل تكويناته تلك عن عدم حراك قادر على لجم الغطرسة السياسية الإسرائيلية لا من الفلسطينيين ولا العرب ولا من أمريكا ولا أوروبا ولا من روسيا أو الصين، هو ما أعطى لإسرائيل دفعة نفسية في أن بإمكانها أن تصوغ مشروع هذا القرار وتصوّت عليه، لكي يكون بمثابة حجة تستند إليها الدولة العبرية، للإمعان في الممانعة والصلف والعناد فيما لو استجدت مناخات دولية، وعادت الضغوط على إسرائيل بشأن الانسحاب منهما.

كما أن تصويت الكنيست على هذا القرار يؤكد المؤكد في أن إسرائيل، وإن كانت قد دخلت في مفاوضات بشأن الأراضي العربية المحتلة عام 1967، فإنما هي تفعل ذلك كنوع من شراء الوقت لتغيير المعالم الطبوغرافية والسكانية للمنطقة، بما فيها القدس الشرقية وهضبة الجولان، وأنها إن لم تكن بعد أسيرة خريطة: من الفرات إلى النيل فهي أسيرة الدولة العبرية الخالصة عرقيا للعبرانيين وحدهم مع محيط جوار معتبرة إياه مجالها الحيوي على الطريقة النازية؛ لذلك هي تريد أن تحوّل أرض فلسطين إلى جيتو إسرائيلي كبير، وتجعل من هضبة الجولان مجالا حيويا للدفاع عنه وتترك أشتات الشعب الفلسطيني كما لو كانوا في محميات على غرار الهنود الحمر في الولايات المتحدة، بل دون السماح لهم بتجاوزها.

الشيء الذي لم تعر له إسرائيل انتباها في قرارها الجديد هو مفاجأة التاريخ في أن تكتشف إسرائيل أنها بهكذا قرار تكون كمن حفرت لنفسها كمينا؛ لأن الأحداث مهما تباطأ دورها في إنضاج عودة الحق إلى أصحابه فإنها ذات حين ستملي على حكومة إسرائيل ضرورة إنفاذ ذلك.. عندها سيتعين على حكومة إسرائيل وعلى الكنيست أن يتجرع كل منهما سم هذا القرار، وبالتالي تواجه الحكومة شعبها فيما قادته إليه تحت غلواء التطرف والعنصرية، ولتكن الخديعة في مواجهة نفسها!!

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية