توقف المقال في الأسبوع الماضي عندما قررت الولايات المتحدة كسر قاعدة الذهب، وأعلنت للعالم أنها ستطبع الدولار دون النظر إلى كميات الذهب المتوافرة لتغطيته. وكان الدولار قبل ذلك القرار يساوى 35/1 من أونصة الذهب. لم يكن أمام العالم إلا الخضوع لذلك، ويجب ألا نتهم أحدا بالضعف فمن كان يملك الدولار في ذلك الوقت كان يملك الرفاهية لأن لديه قدرة الحصول على أي منتج أمريكي في وقت كانت فيه الصناعة الأمريكية سيدة العالم. ومع ذلك لم يكن للقرار الأمريكي أن يمر ببساطة ولولا أن الولايات المتحدة تعهدت للعالم المتقدم آنذاك بتحويل الدولار إلى ذهب عند الطلب. وكرد فعل طبيعي على القرار الأمريكي - وإن جاء ذلك في صورة اتفاقيات - عمدت الدول إلى الحفاظ على أسعار عملاتها (التي ما زالت مربوطة بالذهب) ثابتة مقابل الدولار الأمريكي. ومع ذلك بقيت مشكلة تواجه دول العالم فكيف ستحافظ على عملاتها وسيادتها أمام هجوم الدولار، والذي حتما سيطرد عملتها من التداول داخل حدودها (لسببين الأول هو قاعدة أن العملة الرديئة تطرد الجيدة، فعملة مربوطة بالذهب سيُحتفظ بها، بينما نعطي الآخرين عملة غير مضمونة، والسبب الثاني والمهم أن الناس قد فتنت بسحر الصناعة الأمريكية وتريد الحصول عليها، وذلك لن يتم إلا بالحصول على الدولار) وللتغلب على هذه المشكلة قررت غالبية البلدان أن تخضع تداول العملات للرقابة الحكومية، فما كان بالإمكان مبادلة مبالغ كبيرة أو تحويلها إلى الخارج إلا بعد أخذ موافقة الحكومة. وكانت تهدف الحكومات من ذلك أيضا إلى دعم احتياطياتها من الدولار لمواجهة السحوبات لدفع قيمة السلع المستوردة من الولايات المتحدة، ذلك أن أي دولة لن تستطيع الحصول على ذلك المدعو دولارا إلا من خلال قروض خارجية (أمريكية مثلا) أو بيع سلع من إنتاج مجتمعها وتأخذ في مقابلها دولارا، أو (وهو الأخطر) أن تعطي ذهبا للولايات المتحدة مقابل عملة بلا ذهب.
لا شك أن قرار الولايات المتحدة في تلك المرحلة قد قفز بالبشرية قفزة هائلة جدا لم تحدث من قبل، على أنه من الصعب علينا حتى اليوم معرفة هل كانت تلك قفزة ناجحة أم فاشلة؟ فلقد تم الفصل ولأول مرة بين دور العملة كوسيط للتبادل ودورها كمخزن للثروة. فبعدما قررت الولايات المتحدة طبع الدولار ''كعملة'' بلا غطاء من الذهب قررت، ودون أن تشعر عزله، عن كونه مخزنا للثروة والتي ظل الذهب متحفظا بها لسرٍ إلهي أودعه الله ـــ جل وعلا ـــ فيه. ونتيجة لذلك القرار توسعت الولايات المتحدة في طبع الدولار لتواجه الطلب العالمي وقضايا أخرى كثيرة خلفتها مغامراتها في أرجاء المعمورة، لكن المشاكل الحقيقية بدأت بالظهور مع تطور المصارف واندفاعها المحموم نحو الإقراض (لأن المسألة لم تعد مسألة ذهب بل مجرد عملة تبادل والولايات المتحدة ستطبع عندما تسوء الأمور) فظهرت أشياء كثيرة للحصول على السلع ''وجميعها تحمل اسم الدولار''، فمن الشيكات إلى البطاقات الائتمانية وجميعها تم حسابها كنقد وهي ليست كذلك، فزاد الطلب على السلع بشكل لافت، لأنك ببساطة تستطيع أن تقدم لا شيء مقابل الحصول على شيء، فيمكنك أن تقدم ورقة من أي مصرف (وليس الحكومة) تسمى شيكا والحصول عليها لا يتطلب جهدا أو عملا بل مجرد فتح حساب، تستطيع أيضا أن تحصل على بطاقة لها رقم وهذا الرقم يمكنه أن يمنحك ما تريد من السلع الأمريكية. وكنتيجة لازمة لذلك كله ارتفعت الأسعار ليس بسبب تزايد الثروات في يد الناس بل بسبب كثرة الدولار وتنوع صوره في يد البشر حتى أصبح التضخم ميزة لاقتصاد القرن الـ 20 وللعملة التي لم تعد آمنة.
والتضخم ببساطة يعني أن ما تستطيع شراؤه اليوم بعدد معين من الدولارات قد لا تستطيع شراؤه آخر العام بالعدد نفسه ويلزمك دفع أكثر، بينما على أولئك الذين لا يرغبون الشراء ويريدون المحافظة على الثروة استثمار النقد المتاح فورا أو على الأقل تحويله إلى الذهب (الذي انحصر دوره في الملاذ الآمن). وظهر للعالم مفهوم القيمة الحالية للعملة الورقية وهي تعني أن ورقة دولار في آخر العام أقل – حتما – منها في أوله. وأصبحت الفوائد التي تمنحها البنوك أو تحصل عليها هدفا للمحافظة على قيمة الثروة وليس تكثير النقد، ولذلك يجب ألا نستنكر رأي أولئك الذين ينكرون الفائدة كوجه للربا (انظر مقالات الدكتور حمزة السالم). ونظرا لإقبال الناس على الائتمان والتسهيلات المصاحبة له نمت المصارف بشكل عاصف وهي ترى في إصرار الحكومات على سعر صرف ثابت مع الدولار حجر عثرة في طريقها. من هنا وبعد ضغوط كبيرة تم تحرير أسواق المال لينهار الجدار ويبدأ سيل العرم في تداول العملات، سيلا جارفا حتى إنه وفي خلال يوم عمل واحد تجرى اليوم عمليات تداول للعملات الأجنبية بنحو أربعة آلاف مليار دولار يومياً، بعد أن كانت نحو 3300 مليار دولار في عام 2007م، و1.5 مليار أوائل التسعينيات وهي قفزات هائلة وأرقام ضخمة جدا بل تكاد لا تصدق، أربعة آلاف مليار دولار يوميا لواجهتها عملة أي دولة في العالم لسحقتها فورا، لذا كان على دول العالم الأقل حظا والتي ليس لديها سلع تبادل بها العالم أن تواجه وحيدة بطش ذلك المارد الذي خرج من قمقمه.
ورغم تحرير الأسواق بقيت بعض دول العالم تحافظ على سعر صرف ثابت مع الدولار تفرضه بقوتها السيادية، فهي لن تبادل الدولار إلا وفق سعر مقرر سلفا مهما كانت الظروف والمغريات. ومرة أخرى كان على هذه الحكومات وتلك القرارات أن تواجه مارد سوق العملات الأجنبية الذي لا ولن يرحم الأخطاء سواء كانت سياسية أو اقتصادية. فالسوق لا تعترف إلا بقوانينها وأسعارها ولا تهتم بالقرارات السيادية للحكومات... (يتبع)
