جددت قضية طلب تعطيل بعض خدمات بلاك بيري من قبل عدد من الدول في الفترة الماضية الجدل المستمر عن العلاقة المتداخلة لتقنية المعلومات والاتصالات مع السياسة، فبينما تختفي السياسة التي تمكٍن أو تقيد وسائل الاتصالات وتدفق المعلومات خلف التقنية المعقدة المستخدمة، فإن الطرق التي تؤثر بها تقنية المعلومات والاتصالات في السياسة عادة ما تكون غير مرئية إلى حد بعيد.
لا شك أن هناك تناقضات كبيرة بين رغبة المجتمعات في تحرير تقنية المعلومات والاتصالات من سيطرة الحكومات وبين حاجة الحكومات إلى تأمين الحماية من السلبيات المرافقة للقدرات الفائقة والمتنامية التي توفرها تطورات تقنية المعلومات والاتصالات؛ لذلك فإن الطريقة التي تؤثر بها تلك التقنية في السياسة والطريقة التي تتأثر بها بالسياسة تهم الحكومات والمجتمعات المدنية على حد سواء.
تعمل تقنية المعلومات والاتصالات ضمن ومن خلال مجموعة مترابطة من العناصر والمؤثرات التي تعمل كوسيط بين التقنية وبين المستفيدين منها، ولتعظيم الاستفادة من التقنية المتاحة وتوظيفها بالشكل الأمثل فإنه من الضروري تحسين فهم العلاقة القائمة بينها وبين هذه العناصر والمؤثرات، حيث تختلف طبيعة العناصر ومستوى المؤثرات من مجتمع إلى آخر وفق ظروفه ومتطلباته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وتواجه كثير من الحكومات في مختلف دول العالم صعوبات كبيرة في الوصول إلى التوازنات المطلوبة بين تحقيق حرية الحصول على المعلومات وتأمين السيطرة على تدفق المعلومات، وتزايدت أهمية هذه التوازنات أخيرا في ظل المخاطر والتعقيدات الأمنية الناتجة من القدرات غير المسبوقة التي تتيحها تقنية المعلومات والاتصالات.
وتسعى هيئات متخصصة مثل قسم تقنية المعلومات والسياسة ITP في هيئة العلوم السياسية الأمريكية APSA في الولايات المتحدة لتحديد وتحسين فهم العلاقات المتداخلة بين تقنية المعلومات والاتصالات والعناصر والمؤثرات، وتسعى في سبيل ذلك إلى تشجيع إجراء الأبحاث والدراسات ونشر المقالات والكتب المتخصصة في هذا المجال، كما أن هناك مجلة دورية متخصصة بمسمى ''مجلة تقنية المعلومات والسياسة''، تعنى بنشر نتائج الدراسات والأبحاث في هذا المجال.
محليا يتطلب الأمر أن تعمل الجهات الحكومية المعنية من خلال فريق من المختصين مع شركات التقنية الرائدة ومزودي الخدمات بصورة منتظمة ومنظمة للتعرف على العناصر والمؤثرات المحلية المتجددة المؤثرة على والمتأثرة بالتطورات في تقنية المعلومات والاتصالات وفهم طبيعة العلاقة المتبادلة بينهم بهدف الوصول إلى:
- فَهْم أفضل لكيفية تفاعل التطورات في تقنية المعلومات والاتصالات مع المتطلبات والإجراءات السياسية والتنظيمية المحلية ونتائج تلك التفاعلات على مختلف المستويات.
- تطوير قوانين وإجراءات جديدة تعمل على توظيف التطورات في تقنية المعلومات والاتصالات بطرق إبداعية.
- رعاية تطوير نظريات وأدوات تقنية جديدة قادرة على استيعاب مفاهيم وثقافة المجتمع المحلي والاستجابة للتطوير في القوانين والإجراءات.
يسمح ذلك بوضع سياسات مستقرة للتعامل مع تقنية المعلومات والاتصالات كمحرك أساسي للتنمية على المدى البعيد مع تأمين المتطلبات اللازمة للظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحلية، كما يعمل على توجيه الفكر والجهود نحو إيجاد الحلول الأنسب من أسلوب المنع أو التعطيل لخدمات تقنية المعلومات والاتصالات بعد أن يكون قد تم استثمار الكثير في توفير تلك التقنية والخدمات المرتبطة بها.