هذا عنوان مفزع، ينحاز إلى الجانب المظلم من القمر غير أن ذلك لا يغير من واقع الحقيقة شيئا, لأن المشهد الكوني بالفعل يرزح تحت أثقال شحنات من الفزع في مظاهر الطبيعة وفي البشر أنفسهم.
ومنذ تنبه العلماء في مطلع ثمانينيات القرن الماضي إلى معضلة الاحتباس الحراري, والأرض في مختلف أصقاعها تضربها نوبات شرسة من التغير المناخي عبرت عن نفسها بالأمطار الحمضية والسيول والفيضانات والأعاصير والتيارات البحرية المدمرة, فضلا عن الانهيارات في التربة والزلازل والبراكين العاتية.
وشهد العالم كوارث ماحقة كالتسونامي في آسيا، والعواصف البحرية مثل كاترينا والطوفان كما يحدث الآن في باكستان وفي أماكن أخرى من العالم.. ونجم عن كل ذلك هلاك مئات الألوف من البشر وتشرد الملايين منهم ودمرت المدن والقرى والممتلكات, وما صاحب ذلك من عوز وجوع وأمراض.
هذا الخراب للعالم حدث بفعل التعدي الجائر من قبل الإنسان على النظام البيئي، خصوصا دول الغرب المتقدمة, وفي طليعتها الولايات المتحدة، فحجم ما يطلق من غاز الكربون وغيره من الغازات السامة منها بالذات ومن الدول الأوروبية الغربية، على مدى قرنين من الزمان منذ الثورة الصناعية إلى اليوم بلغ من الكثافة حدا أسفر عن تآكل طبقة الأوزون (O3) ونشوء ما أصبح يعرف بثقب الأوزون الذي أصبح مدرجا جهنميا لما بات يطلق عليه الاحترار، فكان التصحر وجفاف الأنهر وانقراض بعض الكائنات النباتية والحيوانية والطيور, وإلى جانبها كما أشرنا، تصاعد درجات الحرارة إلى معدلات غير معهودة وذوبان الجليد والعواصف البحرية والسيول الطوفانية والفيضانات، فيما أسهمت التفجيرات النووية تحت الأرض والتنقيبات الغشيمة عن الثروات تحت مياه البحار والمحيطات دون توافر شروط حماية البيئة، إلى جانب الغارات الوحشية القاصفة بالقنابل والمتفجرات الهائلة إلى تزعزع التماسك في القشرة الأرضية وحدوث انهيارات وزلازل، فضلا عن تسمم الأمكنة والبيئات والأجواء بالسموم الناجمة عن كل ذلك، سواء كانت غازات أو تسربات إشعاعية أو نفطية.
هذا الخراب لبيئة العالم حاولت الجماعات الخضر في مختلف البلدان من أحزاب ومنتديات وعلماء وناشطين أن يحولوا دون تفاقمه، بيد أن جشع القوة الغربية إلى السيطرة والإمساك بمقود التقدم ظل حتى اليوم يجابه هذه الصرخات لإنقاذ كوكبنا الأرضي، وما زالت النسبة الغالبة من مصادر التدمير تشير إلى أمريكا والغرب الأوروبي، وإلى جانبها الصين، وما زال مؤتمر الأرض ومقرراته في كل دورة وبروتوكول كيوتو وما بعده في كوبنهاجن يتم الالتفاف عليها بمناورات سياسية تلبس أحيانا طابعا علميا يصل إلى حد الاستخفاف بظاهرة الاحترار ويعتبرها خرافة، لكنه في المقابل يسكت في الوقت نفسه عما تعبر عنه طبوغرافيا الكرة الأرضية وجغرافياتها من كوارث على السطح وفي العمق وفي قمم الجبال، ما يسجل حالة إمعان في محاولة إبراء الذمة الغربية مما يحيق بالعالم من خراب في بيئاته المختلفة في الغلاف الجوي للأرض أو فيها وعليها نفسها.
وإذا نحن التفتنا إلى الجانب البشري فسنرى أن التخلف والمرض والجوع والاعتلالات النفسية مخلفات استعمارية غربية بالدرجة الأولى, فضلا عن أن الحروب والعنف والنزاعات وما ينجم عنها من مآس في معظم بلدان العالم الثالث, هي نتاج أسافين دقها الغرب بين شعوبه جغرافيا ومذهبيا وطائفيا وإثنيا، فيما أفرزت الثورة الصناعية في الغرب نفسه مظالم بشرية حاولت حركات الإصلاح فيه دملها والحد من بشاعتها بالتجمعات المهنية والمؤسسات المدنية وتهذيب الأنظمة والقوانين الاجتماعية والاقتصادية, ومع ذلك ظل هذا الغرب وبالتداعي معه بلدان العالم يجابه مظاهر مفزعة في السلوك الإنساني عبرت عنها الانهيارات الخلقية المتهتكة وطغيان ثورة الغرائز الجنسية والمادية والمعاناة من تصاعد الأمراض النفسية من جنون وانتحار وعنف وإجرام وقلق وكآبة وفصامات شخصية مرعبة، إلى أبشع مظاهر الجنون الإنساني وهو الإرهاب الذي أصبح اليوم لعنة الدنيا كلها، وإن كان تتلمذ على وقع الوحشية الغربية الاستعمارية مع حربين كونيتين وقنبلتي أمريكا الذريتين الماحقتين لبشر وكيان مدينتي هيروشيما ونجازاكي.
ذلك كله كان نتاج حداثة الغرب في لهاثه نحو التقدم, وإذا كانت الحداثة مفتاحا للتقدم ومنهجا له, فالشيء الأكيد أن هذه الحداثة غلب فيها الجانب الإجرائي النفعي لإحراز القوة على جانب إسعاد البشر وتحقيق سلام العالم، وإذا كانت الحداثة الغربية قد أثبتت نجاعتها في ترسيخ الدور الجوهري للعقل والعلم ومناهج البحث والدراسة العلمية التي نقلت الإنسان من الأرض إلى الكواكب، وقدمت إنجازات باهرة في مختلف العلوم النظرية والتطبيقية فإنها في المقابل ما زالت لا تكترث كثيرا بإفرازاتها السلبية الخطيرة المدمرة لبيئة العالم وسكانه، وهو موقف لا سبيل لتغييره إلا بأن تصعد دوائر صناعة القرار السياسي في الغرب إلى فلك الضمير الإنساني، آخذة في الاعتبار حقيقة كون خراب العالم مصدره جور الجانب السلبي من حداثتها الذي يخاطبه بشأن إعادة تقويمه كتاب ومصلحون وفلاسفة من داخل الغرب نفسه، مثلما هي من كل الأصوات الشريفة في كل مكان.. ومع ذلك ما زال اللا اكتراث تدفع به مصلحة القوة ولا غير.
