أختم حديثي عن مشكلة المشكلات الروتين والبيروقراطية الإدارية بهذا المقال الأخير (الرابع), سائلاً الله العزيز الحكيم أن يجعل فيما كتبته الفائدة في الإصلاح والصلاح بيقظة المسؤولين القياديين, وذلك للقيام بدورهم الفاعل الرقابي والمحاسبة لكل العاملين معه عن كل تقصير أو أخطاء أو تجاوزات, ويمكنه الاستفادة من المراجعين بفتح باب مكتبه لاستقبالهم, والاستماع لكل ما يبديه كل مراجع من نقد وملحوظات, ويتأكد من صحة ما يقوله شخصيا, فإن تبين له صحة ما أبدى, فيحاسب المقصر والمرتكب لأي خطأ أو تقصير أو تجاوز بحزم وقوة بعيدا عن المجاملة والعاطفة, وهذا هو الواجب لأداء الأمانة التي حمل بها, وكما قيل ''إذا صلح الرأس صلح الجسد كله''.
وأقول لكل من اتصل أو تكلم معي بشأن ما أبدوه إنني أكتب بشكل عام بشمولية ليصل إلى كل قيادي ومسؤول يوجد في الجهة أو الجهاز الذي يرأسه روتين وبيروقراطية, وهذا بمثل ما يكتب غيري من الكتاب الذين كتبوا مقالات كثيرة بحكم تأثرهم وغيرتهم على مصالح المواطنين وغيرهم من الوافدين, وهم يتألمون ويتذمرون ويستاءون من الروتين والبيروقراطية التي توصف بأنها نوع من الفساد الإداري, وأعني بذلك طمأنة الكثير ممن اتصلوا بي هاتفيا أو تكلموا معي شفوياً عن حالات كثيرة قالوا إنهم واجهوها, وهم يتابعون معاملات تخصهم, ويتمنون أن أكتب عنها, وقد أوضحت لهم بكل صراحة أنني أكتب بالشمولية عن تعمد التأخير في إنجاز المعاملات, وذكري كمثال في المقال الأول لا يعني أنني أكتب عن كل حالة أشاهدها, أو يقال لي عنها فذلك يعد أمرا مستحيلا لكثرتها لأن الروتين, والبيروقراطية متفشية كمرض عضال مزمن في الدول النامية والمتأخرة, وهذا أمر لا يمكن معالجته والقضاء عليه إلا بالوعي التام والعلم المعرفي, والأمانة والنزاهة والصدق والتدين الحقيقي لأن ''الدين المعاملة'', وهذا يتحقق بالخوف من الله ـــ جل جلاله ـــ المطلع على السرائر وما تخفي الصدور.
والجدير بالذكر، أنني أشرت فيما تقدم إلى الكتاب الذين كتبوا عن الروتين العقيم المقيت, والبيروقراطية الإدارية المعطلة لإنجاز المعاملات والأعمال وتقديم الخدمات, وكان آخر ما قرأته مقال الكاتب الفاضل الدكتور جاسر بن عبد الله الحربش تحت عنوان يشد الانتباه ''الاسـتهتار بمصالح المـواطن اسـتهتار بأنـظمة الدولة''، المنشور في صحيفة ''الجزيرة'' يوم الأربعاء 20/10/1431هـ الموافق 29/9/2010, فقرأته قراءة متأنية فوجدت الكاتب في مقاله الشائق المتميز رغم قصره, قد وضع النقاط على الحروف بكتابة جامعة مانعة بدأها بأسئلة, ثم النفي (بـالطبع لا)، واستدرك بشكل يشد القارئ ليقول: ''.. إلا إذا كانت لا تدري أن جهازها البيروقراطي المنوط به توصيل وتطبيق التعليمات والأنظمة يمارس الانتهازية, والتكسب في سلسلة طويلة من حلقات البيروقراطية الفاسدة... إلخ), فهو جزاه الله خيراً يكتب بحماس شديد, وبحزن وتألم, ثم استطرد ليعبر عما يجول في فكره الواعي موضحا جوانب عديدة, وذاكرا أمثلة في بعض الجهات (الخطوط السعودية, البلديات, الجوازات, الأحوال المدنية, والمستشفيات), ولا شك أن هذه أمثلة فقط, وإلا فالبيروقراطية والروتين في كل الأجهزة الحكومية والهيئات والمؤسسات العامة على اختلاف أسمائها, وأنا أتفق معه فيما سطره بقلمه وفكره النابه اليقظ, وأطلب منه المزيد والمزيد، نفع الله بكل ما يكتب, ونرجو من الله التوفيق والسداد والقبول، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
