لم يترك الإسلام للبشر حق التشريع لأنفسهم في كل شيء، بل وضع لهم أصولاً للتشريعات المنظمة لنشاطهم، ونص على أحكام ثابتة لا تختلف باختلاف الزمان والمكان، وفوَّض في كل ما عدا ذلك إلى أولي الأمر، صياغة الحلول التي تقضي بها المصلحة في حدود أصوله العامة.
ولمعرفة «منطقة الفراغ» في التشريع الاقتصادي الإسلامي لا بد من التمييز بين الشريعة الإسلامية، التي تعني: مجموعة الأحكام الآمرة الناهية التي تضمنها القرآن الكريم والأحاديث الثابتة، وبين الفقه الإسلامي: كعمل عقلي فني يقوم به الفقهاء لتفسير الشريعة الإسلامية وفهم مرامي نصوصها وحُسن تطبيقها.
بمعنى آخر، سيجد الباحث في الاقتصاد الإسلامي منطقتين: منطقة ملئت بالأصول العامة والأحكام الثابتة بصورة منجزة، لا تقبل التغيير والتبديل، وهذا ما جاءت به الشريعة، ومنطقة مقابلة تُشكّل «منطقة الفراغ» التي نتحدث عنها، تركها الإسلام ليملأها أرباب الاجتهاد في الدولة، على قاعدة الأصول والأحكام، لاستنباط التشريعات الاقتصادية وفقاً لمتطلبات الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي، ومقتضياتها في كل زمان ومكان، وهو ما يعبر عنه بالفقه.
إذا كان الاقتصاد الإسلامي مُلتزما بالأحكام الثابتة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية لا يحيد عنها، إلا أن علاقته بالفقه الإسلامي والآراء الفقهية المختلفة رحبة ومتبادلة، وهذا ما يُشير إليه الدكتور عبد الرحمن يسري أحمد، حيث يرى: «أن الاقتصاد الإسلامي يمكنه أن يسهم في التأثير على عملية الترجيح بين الآراء الفقهية المختلفة في القضايا الفقهية الاقتصادية، بشرط أن يكون الباحثون في الاقتصاد الإسلامي من ذوي التخصصات الشرعية الاقتصادية». وللدكتور محمد عبد المنعم الجمال، في كتابه «موسوعة الاقتصاد الإسلامي» رأي هنا، إذ يقول: إن «كل ما يأتي به الإسلام من أحكام وكل ما خطه من تعاليم وكل ما رسمه من قيم لا يتعارض بصورة جذرية مع المقومات المادية والمعنوية للعملية الإنتاجية، لكن التعارض يعتبر من النوع الجدلي الناجم عن تفسير المجتهدين»، أي الاختلاف في الآراء الفقهية.
ويتفق الجميع هنا على ضرورة أن يلتزم المجتهد بالموضوعية، ويبتعد عن تسرب الذاتية إلى عملية الاجتهاد، كذلك يجب التفريق بين النصوص التاريخية للاقتصاد الإسلامي والواقع المعاش، وضرورة عدم إخضاع النص للواقع، بل التفكير في تغيير الواقع على أساس النص، في عملية بناء «منطقة الفراغ» من خلال الاجتهاد.
لنستنتج هنا: أن «منطقة الفراغ» في التشريع الاقتصادي الإسلامي يمكن، على الدوام، إعادة النظر في مضامينها على قاعدة اختلاف الزمان والمكان، وبالتالي تجاوز منهج التقليد إلى منهج التوليد.
كذلك، هناك علاقة بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الوضعي في بناء «منطقة الفراغ»، فالاقتصاد الإسلامي مطالب بمواكبة التطور العلمي، كما يقول ابن خلدون، للاستفادة من الجزئيات أو التقنيات الموجودة في علم الاقتصاد، على ألا تتعارض هذه الاستفادة مع الأحكام الثابتة والأصول التشريعية التي جاء بها الإسلام.
إذاً، «منطقة الفراغ» في التشريع الاقتصادي الإسلامي لا تدل على نقص أو إهمال، بل تعبّر عن قدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة، من خلال إعطاء ولي الأمر صلاحية لمنح كل حادثة، لم ينزل بها حكم قاطع، صفتها التشريعية، حسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية، والدليل على ذلك قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (النساء: 59)، فولي الأمر إن لم يجد حكماً في القرآن الكريم لحادثة اقتصادية ما بحث في السُنَّة، فإن لم يجد يكون قد وصل إلى «منطقة الفراغ»، التي تسمح له بالتشريع وفقاً لمقتضيات مصالح المجتمع.. فطاعة ولي الأمر تقتصر على الفعل المباح بطبيعته، الذي لا يتعارض مع طاعة الله – عزّ وجلّ – وطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم، فولي الأمر لا يستطيع تحليل الربا مثلاً، لكنه يستطيع منع الفرد من إحياء الأرض وتملكها كعملية مباحة تشريعياً بطبيعتها، وفقاً لمقتضيات المصلحة العامة للمجتمع، كذلك التاجر يُباح له أن يبيع سلعته بالسعر الذي يراه مناسباً، ولكن لولي الأمر هنا أن يحدد السعر مستعملاً صلاحياته، وفقاً لمقتضيات العدالة الاجتماعية التي يتبناها الإسلام.. كما يحق لولي الأمر فرض الضرائب لتحقيق التكافل الاجتماعي... إلخ، فألوان النشاط المباحة بطبيعتها في الحياة الاقتصادية هي التي تشكّل «منطقة الفراغ» التي تركها الإسلام للاجتهاد.
وإذا كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – قد فسّر الشريعة بما يوحى إليه من ربه – سبحانه وتعالى، إلا أنه – صلى الله عليه وسلم - ملأ «منطقة الفراغ» في التشريع الاقتصادي الإسلامي بصفته حاكماً ولياً لأمر المسلمين في شؤونهم المتغيرة، وتبعه الخلفاء الراشدون – رضي الله عنهم، ومن جاء من بعدهم، باجتهادات غير مسبوقة، ارتكز عليها الغرب فيما بعد، وجعلها أسساً لكثير من النظريات الاقتصادية الوضعية.
هذا ما يجب أن تستن به المجتمعات الإسلامية، على الدوام، فتجتهد لملء النقص التشريعي في «منطقة الفراغ» في الاقتصاد الإسلامي، والعمل على تمحيص الموجود وتجديده، بما يتوافق مع الأصول العامة للإسلام وأحكامه الثابتة، ويتلاءم مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي لهذه المجتمعات، من خلال وضع آلية محددة يمكن للاقتصاد الإسلامي من خلالها التعامل مع الأحكام الشرعية الثابتة، وآلية أخرى للتعامل مع الأحكام الشرعية المتغيرة، في سبيل إغناء «منطقة الفراغ» في التشريع الاقتصادي الإسلامي.
