حدود القدرة على التغيير الاقتصادي!

|
بين الفينة والأخرى تنتابك مشاعر هي عبارة عن مزيج من الأسى والحزن على أوضاع اقتصادية هي أقرب للإصلاح والتعديل منها للفوضى وعدم التقويم، نأسى على مرور طفرات نفطية ومتحصلات مالية ضخمة تم توظيفها من أجل بناء قاعدة اقتصادية صُلبة لتخلف النفط بعد رحيله، لكنها وللأسف في بعض من جوانبها قد غلبت عليها عوامل السرعة، وسوء التخطيط والتنفيذ، ونحزن على أوضاع حالية بأيدينا القدرة والإمكانية على تغييرها، وبكل اقتدار بما نملكه بعد الله من استقرار سياسي منقطع النظير، حكومة تنفق وبسخاء، وموارد مالية هائلة ما زالت تتدفق على الخزينة العامة، لكنها تناطحت، وما زالت تتناطح مع الأولويات في التخطيط التنموي. الحيرة لا تتوقف خاصةً مع وجود الإمكانات المادية، ووفرة الخبرات الإدارية والمالية، مع مناسبة واستقرار المناخ السياسي والاقتصادي، وحنكة القيادة ورغبتها الأصيلة والأكيدة في التطوير والتحديث. ولكي يتحقق التغيير لا بد من التدخل البشري لتسيير عملية التنمية، ولا بد كذلك من أن يشتمل على تغييرات في هيكل الاقتصاد الوطني وجوهرة تاجها الدخل الوطني الحقيقي، وهذا لن يتحقق إلا من خلال خطط طموحة، متوازنة، ومدروسة الأهداف، وتأخذ في اعتبارها واقع المتغيرات الاقتصادية على المستوى الوطني من دخل، سكان، تجهيزات أساسية.. إلخ. لعلنا نكون واضحين في تعاطينا مع هذه القضية المهمة، فمن أولويات التنمية زيادة الدخل الحقيقي، رفع مستوى معيشة المواطنين، تقريب وسد الفجوة والتفاوت بين دخول أبناء الوطن، وتعديل التركيبة الهيكلية للاقتصاد الوطني، وبما يحقق التوجه نحو القطاعات الصناعية الإنتاجية والخدمية. ومن المفارقات العجيبة أن البلدان النامية بدون استثناء، ومنها بلداننا العربية في وضع يُرثى لها، ويُعاني واقعها الاقتصادي من سنوات طويلة من التجارب القاسية والمريرة، التي انتهت بفشل ذريع في سياساتها الاقتصادية، حيث لم تحقق الحد الأدنى من المجتمع الصناعي والخدمي المتطور. وغني عن القول أن الواقع اليوم يُظهر بجلاء عدم كفاية البُنى التحتية الضرورية للتنمية، التي تشمل التعليم بمراحله، الصحة بقطاعاتها ومرافقها المنتشرة، وكذلك النقل والمواصلات بجميع وسائله المختلفة، حيث إن هذه الخدمات ضرورة تقدمها الحكومات لتأثيرها المباشر وغير المباشر في الإنتاج، ومن ثم التنمية، وإلى الآن لم تطلها التغييرات اللازمة لتطويرها. لنأخذ التعليم والسياحة الداخلية كشاهد حال من ضمن حزمة من المُتغيرات الواجب النظر بها، فبالرغم من مجانية التعليم والتي لا تزال قائمة في مملكتنا الحبيبة، إلا أن الأولوية في إعطاء القطاع الخاص المبادرة في التوسع بتقديم هذه الخدمة الوطنية المهمة يُعتبر انتكاسة كبيرة للأهداف التنموية التي نسعى لتحقيقها. إزالة جزء من الأعباء المالية عن كاهل الدولة من خلال دخول القطاع الخاص، وبكل ثقله وتهيئة الفرصة له ساهم وبشكل كبير في تدني مُخرجات التعليم، التي لا تتناسب تماماً مع متطلبات التعليم العام والجامعي التنويري الشامل، ولا حتى مع متطلبات تنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد السعودي. طموحنا بأن نكون من البلدان السياحية أو على الأقل لمواطني المملكة، ولِم لا؟. لكن برحلة داخلية واحدة تجعلك تدرك الفارق الكبير بين ما هو متاح للسائح من تجهيزات وما هو موجود في بعض البلدان الأقل دخلا والأحدث تجربة، حيث يصيبك الملل من البحث علك تجد مأوى، وأقصى طموحك الظفر فقط بمكان نظيف يحمل عنك عبء السفر وعناء التعب، ولأن مستثمرينا غير مُكترثين وما زالوا يؤمنون بالتزاحم من أجل أن ينعكس إيجاباً على الأسعار وغير مقدرين لنعمة التكنولوجيا ومساهمتها في التنظيم من خلال حجوزات مُسبقة، فهل نترك الحبل على الغارب بدعوى الحرية الاقتصادية؟ بالتأكيد لا، لكن إتاحة الفرصة لمؤسسات استثمارية دولية على مستوى عالٍ من الإمكانات للعمل على إقامة الفنادق والشقق المفروشة ضرورة وحافزها في ذلك بيئة مستقرة سياسيا واجتماعيا مع عوائد مجزية، مع علمها أن موسم السياحة الداخلية ولله الحمد لا يحده فصل من فصول السنة، بل هو على مدار العام. سنجني فائدة مضاعفة، قضينا على استثمار الشتات، الذي لا يسعى إلى تطوير إمكاناته الذاتية، الإدارية ولا المالية من خلال المحافظة على الأوضاع القائمة كما هي، وتحقيق هدف سامٍ، وهو التوظيف مع الرقي بالسائح المحلي والأجنبي في السكن والإقامة. وفتح الباب على مصراعيه للاستثمار الأجنبي في القطاع السياحي بات ضرورة اقتصادية مُلحة وغير قابلة للتأجيل، من خلال توفير الفرص لإقامة الوحدات السكنية الفندقية والشقق المفروشة مع الاهتمام بها وصيانتها على مدار الأشهر والمواسم. تعجب لحالنا، وخاصة في الأماكن المقدسة وفي المواسم، حيث يصيبك الذُهول من حجم الإهمال وسوء الأوضاع السكنية بعامة، مع غلاء غير مُبرر في الأسعار وتحت أي مسمى كان. هل لدينا القدرة على توفير الأرضية المناسبة للمحافظة على إمكاناتنا التنموية؟ أم أن تنفيذ الأوامر وبصرامة لا يتم متابعتها؟ إلزام من يحصل على فرصة للاستثمار أن يقوم بما يستوجب عليه خير قيام، وإلا تعرض لأشد العقوبات وأقلها في ذلك إلغاء فرصة الاستثمار، وإعطائها لمن يتحمل عبء الأمانة كاملة. أجزم أننا نستطيع القيام بذلك وأكثر يبقى الحزم في التطبيق والتنفيذ. تخطيط بدون متابعة للتنفيذ ومن دون عقوبات على المُقصر أياً كان ستكون نتيجته البحث والبحث عن مكان قد لا تتوافر به أدنى مقومات السكن السياحي، هذا إن وُجد.
إنشرها