خطة التنمية التاسعة تأتي في ظروف ومتغيرات اقتصادية في المجتمع، فأولويات المجتمع في هذه المرحلة تشهد أهمية علاج مشكلات متعددة، جزء منها مستجد. والمجتمع اليوم ينتظر نتائج هذه الخطة الخمسية لتنعكس على علاج هذه الصعوبات القائمة والمعقدة، وتقديم مزيد من الفرص وتحقيق الرفاهية في المجتمع. والخطط الاستراتيجية بشكل عام تعطي تصورا وتوجها وتشخيصا للوضع الراهن، إضافة إلى تقديم مقترحات تساعد أصحاب القرارات على اتخاذ القرار المناسب الذي يتواءم مع هذا التصور.
لعل من أبرز القضايا التي ستأخذ نصيبا لا بأس به من خطة التنمية التاسعة، وتناولته وسائل الإعلام، أن المملكة تستهدف توظيف 292 ألف مواطن في القطاعات الحكومية، زيادة في توفير الفرص أمام المواطنين للحصول على وظائف مناسبة، كما جاء في الخبر أن التركيز في هذه الوظائف سيكون في قطاعات مثل قطاع التعليم العالي والتعليم دون الجامعي وقطاع الصحة.
وهذه القطاعات تشهد في هذه المرحلة نموا كبيرا، وذلك بسبب الدعم الحكومي لهذين القطاعين اللذين يعدان الأهم بالنسبة إلى المواطن، وهذا الاهتمام سيعود ـ بلا شك ـ على مستوى الرضا العام في المجتمع، الذي تسعى الحكومة دائما إلى تحقيقه.
ومسألة توفير فرص العمل بشكل عام واحدة من القضايا التي يتصور أنها ستأخذ أهمية كبرى، ففي أي اقتصاد تعد البطالة مصدر قلق للمجتمع، ففي الوقت الذي يمكن أن تعد فيه واحدة من أسباب الفقر في المجتمع، فإنها تنعكس على الأوضاع الاجتماعية والأمنية والاقتصادية؛ ولذلك نجد الاهتمام به من قِبل دول العالم الكبرى، وواحدة من المؤشرات الاقتصادية المهمة والمؤثرة بشكل كبير في الاقتصاد العام للدول، وتوفير فرص العمل ليست فقط بتوفير فرص الوظائف، وإن كانت واحدة من أهم وسائل العلاج، إلا أن هناك مسألة أخرى يمكن أن توصف بأنها تمثل فجوة واضحة في المجتمع، وهي قطاع العمل الخاص أو المشاريع الفردية أو الصغيرة، والمقصود بذلك المشاريع التي يتولى ملكيتها والعمل فيها المواطن، وهذه من القضايا المهمة التي ينبغي التركيز عليها لعلاج مشكلة البطالة. حيث إن مثل هذا النوع من المشاريع ربما لا ينجذب المواطن للعمل فيه كموظف، لكن يقبل العمل فيه مالكا أو شريكا على الأقل.
حتى تتضح الصورة بمثال، فمشروع مثل محل لبيع المواد الغذائية أو الفواكه والخضراوات وغيرها من الأعمال الصغيرة، فإن كثيرا من المواطنين لا يمثل له هذا النوع من العمل عامل جذب للعمل فيه كموظف لدى صاحب هذا المحل، لكن سيقبل أن يؤسس هذا المشروع ويعمل فيه بنفسه، وقد يكون السبب في ذلك الثقافة العامة، وأن العائد من مثل هذه الوظائف محدود والراتب أيضا.
وأهمية الاهتمام بمثل هذا القطاع تأتي من أمور عدة، منها: أن هذه القطاعات في أغلبيتها تدار من قِبل عمالة مخالفة للأنظمة عبر تستر بعض المواطنين ــ مع الأسف ــ على مثل هذه العمالة، وتوفير البيئة المناسبة لعملها، ضاربين بمصلحة الوطن والمواطن عرض الحائط، وهذا النمط من العمل يمثل هدرا للاقتصاد الوطني.
الأمر الآخر، أن توفير فرص العمل الحكومي في قطاعات معينة سيكون واردا في قطاعات مثل الصحة والتعليم، لكن هناك قطاعات أخرى من الممكن أن يكون فيها تقليص للوظائف لأسباب متعددة، منها الاتجاه إلى التخصيص في بعض القطاعات، والتوسع في استخدام التقنية، الذي يؤدي إلى تقليص الاحتياج في القوى العاملة.
كما أنه لا يمكن التعويل كثيرا على القطاع الخاص في توفير فرص العمل، إذ إنه يبحث عن الربحية، ودائما يسعى إلى تقليل التكلفة في تعيين القوى العاملة.
مسألة الاهتمام بالمشاريع الفردية أمر مهم، وهي قضية تهتم بها أيضا دول كثيرة حول العالم؛ ولذلك تجد من المشاريع المحدودة والصغيرة ما تتوارثها الأسر من جيل إلى آخر، في ظل أن المجتمع لدينا ركَّز على العمل في الوظائف الحكومية وفي القطاع الخاص.
ولدعم مثل هذه المشاريع لا بد من العمل على أمور مهمة، منها: توفير فرص التمويل لمثل هذه المشاريع وتحفيز الأفراد على الدخول فيها، مع نشر الوعي بأسباب نجاح مثل هذه المشاريع، وتقديم الدورات المناسبة والمجانية لذلك، إضافة إلى أنه يتم التركيز على قطاعات محددة، وبشكل مرحلي، التي لا تعد منافسة للشركات الكبرى، بل يفضّل أن تكون خادمة ومساعدة لها، وأن يكون العمل في هذه القطاعات مقبولا في المجتمع ويحقق عائدا جيدا أو مناسبا على الأقل.
كما أنه لا بد أن تكون طبيعة العمل في هذا القطاع لا تتطلب العمل لفترات طويلة، بمعنى أنها لا تزيد على ثماني إلى عشر ساعات يوميا. كما أنه ينبغي تقليص فرص العمل في هذا القطاع للعمالة المخالفة أو السائبة. وللمملكة تجربة سابقة في سعودة قطاع بيع الخضراوات والفواكه، لكن هذه التجربة تحتاج إلى دراسة وتقييم وعرض نتائجها والاستفادة منها مستقبلا في قطاعات أخرى، وهل هي تجربة حققت نجاحا فعليا على الأرض، وما أسباب الخلل إذا لم تحقق نجاحا؟ ولا بد من نشر هذه التجربة ليتمكن المواطن والخبير من تقديم المقترحات والحلول.
الخطة الخمسية القادمة، رغم أنها تأتي في وقت تشهد فيه المملكة تقدما معرفيا واقتصاديا، إلا أنها تأتي في مرحلة تشهد قضايا أكثر تعقيدا نتيجة للمتغيرات الاقتصادية العامة الداخلية والخارجية.
