كانت أعمال التحقيق والادعاء العام موزعة بين إمارات المناطق والشرط إلا أنها كانت في كل أحوالها تحت المظلة الأمنية، بعد ذلك أنشئت هيئة التحقيق والادعاء العام بالمرسوم الملكي رقم (م/56) وتاريخ 24/10/1409هـ على غرار النيابة العامة في الدول إلا أن الهيئة ظلت تحت إشراف وزير الداخلية - يحفظه الله - الذي له حق الإشراف على أعمالها واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لقيامها بمهامها كما نصت على ذلك المادة السابعة والعشرون من نظام الهيئة وهذا جعل الطبيعة القانونية لأعمال هيئة التحقيق والادعاء العام تأخذ منحى آخر. وليس الأمر على هذا فقط بل نصت المادة الرابعة على تكوين لجنة إدارة الهيئة وتكون من الرئيس والنائب وخمسة أعضاء يختارهم وزير الداخلية بناءً على اقتراح رئيس الهيئة، كما أن تأديب عضو الهيئة يصدر بقرار من وزير الداخلية بناءً على توصية رئيس الهيئة، وكذلك في إنهاء خدمة عضو الهيئة بناء على قرار من لجنة إدارة الهيئة وطلب من وزير الداخلية.
وهذه التدابير التنظيمية أثارت التساؤل كثيراً في أروقة القضاء الإداري والمختصين عن الطبيعة القانونية لأعمال أعضاء هيئة التحقيق والادعاء العام؛ فعند النظر إلى العمل الميداني نجد أنه يمارس دور النيابة العامة، ومعلوم أن النيابة العامة هي شعبة أصيلة من شعب السلطات القضائية وهي النائبة عن المجتمع والممثلة له وتتولى تمثيل المصالح العامة وتسعى في تحقيق موجبات القانون, والنائب العام غالباً ما يكون بدرجة وزير وعضوا في المجلس الأعلى للقضاء وتكون مسؤوليته الوظيفية أمام رئيس الدولة مباشرة وليس أمام وزير العدل كما يعتقد الغالب الأعم من الناس، فمنصب النائب العام منصب قضائي بحت، ورئيس هيئة التحقيق والادعاء العام في حكم النائب العام إلا أن النائب العام مرتبط برئيس الدولة بينما رئيس الهيئة مرتبط بوزير الداخلية.
فهل يعني هذا مع كل ما سلف أن الطبيعة القانونية لأعمال أعضاء هيئة التحقيق والادعاء العام تخضع تحت السلطة التنفيذية وبالتالي يحق للقضاء فحص قرارات الضبط والتوقيف والتحقيق والتعويض عن الأخطاء أم أن الطبيعة القانونية تكيف على أنها من قبيل الضبطية القضائية وبالتالي فلا يختص القضاء الإداري بالرقابة على تلك الأعمال؟
ونشرت جريدة الشرق الأوسط يوم السبت 1/6/1431هـ، العدد 11491 مطالبة أعضاء مجلس الشورى بربط جهاز هيئة التحقيق والادعاء العام برئيس مجلس الوزراء الذي يمثل الملك لتحقيق الاستقلالية أسوة بغيرها من الجهات الرقابية وأجهزة التحقيق الأخرى كهيئة الرقابة والتحقيق وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورفع مستوى رئيس الهيئة إلى مرتبة وزير.
ومع ما تقدم من ملابسات في ازدواج السلطة التنفيذية وإشرافها المباشر على أعمال أعضاء الهيئة لا يمكن القول إن الطبيعة القانونية لأعمال هيئة التحقيق والادعاء العام في الوقت الراهن هي أعمال قضائية بحتة لا تخضع لرقابة القضاء الإداري، وعلى القاضي الإداري تقدير القرارات الصادرة من الهيئة واعتبارها شبيهةً بالأعمال القضائية إلا أنه في حال وجود تباين كبير في المواءمة بين قرارات الهيئة والأنظمة الحاكمة فإنه يتعين على القاضي الإداري التدخل بإلغائه حالة الخلل التطبيقي الواضح والبيّن. أما التعويض عن أخطاء أعمال أعضاء الهيئة فهو أقل إشكالاً من الإلغاء؛ إذ إن التعويض في الأساس لا يحجم صلاحيات عمل الجهاز التنفيذي مثل رقابة الإلغاء، إضافة إلى ذلك أن الحكم القضائي إذا تبين خطأه يعوض المتسبب فيه سواء كان شخصاً طبيعياً أو معنوياً؛ استناداً إلى المادة السابعة عشرة بعد المائتين، التي تنص على:
(إذا كان المحكوم عليه بعقوبة السجن قد أمضى مدة موقوفاً بسبب القضية التي صدر الحكم فيها وجب احتساب مدة التوقيف من مدة السجن المحكوم بها عند تنفيذها.. ولكل من أصابه ضرر نتيجة اتهامه كيداً، أو نتيجة إطالة مدة سجنه أو توقيفه أكثر من المدة المقررة، الحق في طلب التعويض).
والمادة عامة الدلالة في توجيه دعوى التعويض، هذا في الحكم القضائي فكيف إذا كان أقل من ذلك؟ فإذا تسبب عمل عضو الهيئة في استدامة وقت التحقيق زيادة على الإجراء اللازم وكان هناك تعسف وتأخير في إجراءات التحقيق فإن للشخص المتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر الحاصل له خاصة في الدعاوى الكيدية التي لا تقوم على أساس صحيح، وتأخذ إجراءات طويلة في التحقيق والادعاء ويتبين في آخر الأمر براءة المتهم وعدم وجود أي دليل أو شبهة تستدعي كل هذه الإجراءات ولا يجوز لأعضاء التحقيق والادعاء العام المضي في إجراءات الدعوى الكيدية حتى يتم فحصها ونظر الأدلة التي يستند إليها الاتهام وإلا تعرض كل شخص لدعوى كيدية ويتم توقيفه ستة أشهر ثم يحال للقضاء ويتم تبرئته فوراً لعدم وجود أدلة تستدعي الاتهام، عند ذلك يستوجب النظر الصحيح توجيه الدعوى بالتعويض على جهاز الهيئة المتسبب وليس على صاحب الدعوى الكيدية؛ لأنه ليس كل دعوى تستوجب الادعاء العام فقد يتم التحقيق فيها وحفظها في وقتها لعدم وجود مبررات تستدعي توجيه الاتهام.
وأتمنى في نهاية المقال من أصحاب الفضيلة والمعالي قضاة الاستئناف الإداري أن يعيدوا النظر في مسألة رقابة القضاء الإداري على أعمال هيئة التحقيق والادعاء العام بالنظر إلى الطبيعة القانونية وأساسها وإشراف السلطة التنفيذية عليها.
