في معظم الثقافات الاجتماعية لكثير من الشعوب يستثمر الشباب فترة الإجازة الصيفية في تحويل هواياتهم إلى مصادر دخل إضافية لتحسين مداخيلهم وأوضاعهم المادية وتنمية مهاراتهم، وهي سمة للشعوب التي تعي أن الإجازة ليست وقتا مستقطعا لزيادة مساحة النوم والتمطي, لكننا هنا ـ مع الأسف ـ لا نزال ننظر إلى الإجازة على أنها تعويض ضمني للراحة عن أيام العمل، في حين أنها ربما تكون الفرصة الحقيقية للجمع بين ممارسة الهواية الشخصية والاستمتاع بممارستها إلى جانب رفع معدلات الدخل الشخصي، وتكوين مهارات إضافية جديدة من خلال العمل.
الإجازة في مجتمعاتنا أصبحت تشكل عبئا حقيقيا على المرور والأمن وكل أجهزة الضبط الاجتماعي، لأن مفهومها المفتوح تماما على التسكع جعل منها فسحة طويلة لضرب مواعيد النوم والعمل وتحويل الليل إلى نهار والعكس، ما يتسبب غالبا في كثير من الخسائر، وفتح أبواب اللهو المجاني الذي لا طائل من ورائه, حتى أولئك الذين يفضلون قضاءها في الاستجمام سواء في الداخل أو في الخارج, هم غالبا ينفقونها بكامل تفاصيلها دون أي فائدة تذكر, فلا هي تضيف إلى ثقافتهم شيئا، ولا إلى معلوماتهم على الأقل أي معلومة, لأنها تنفق بكاملها تحت عنوان الاستجمام على كل ما هو مجاني من تضييع الوقت. ولو أننا استطعنا أن نتبنى برنامجا واعيا يأخذ بأيدي الشباب لاستثمار الإجازة فيما ينفعهم ثقافيا وماديا ومهاريا لحققنا المعنى الأهم من الإجازة, لأننا مطالبون بأن نتعامل معها لا كفائض وقت، وإنما كفسحة فقط للتخلص من الأعباء الإلزامية بغرض تنمية المهارات الخاصة وفق الهوايات الشخصية التي ربما لا يتسنى الالتفات إليها أثناء العمل أو الدراسة.
يجب أن تكون لدينا ثقافة مختلفة للإجازة, فالإنسان لا يحتاج إلى ساعات إضافية للنوم لتعويض الفاقد أيام العمل، والراحة ليست صنو التبلد أو إهدار الوقت بلا فائدة، والإجازة في مجملها ليست إيقافا تعسفيا لعجلة الحياة, حتى إن كانت تعني بمعنى ما التخفف من رتابة العمل المنتظم، إنما هي السبيل للجمع بين ما نرغب في فعله وما يُضيف إلينا.
هنالك محاولات فيما يسمى تشغيل الشباب فترة الصيف, لكنها في مجملها مجرد برامج كسب صرفة، وهذه البرامج ربما لا يقبل عليها إلا من يعيش ضائقة مالية تجبره على الانخراط فيها, هذا إن وجدت ـ لكن ما هو مطلوب هو أن نربط استثمار الإجازة أو اقتصاديات الإجازة ـ إن صحت التسمية ـ بالهواية الشخصية لنحقق الرغبتين، ممارسة الهواية في أطول وقت ممكن، وفي الوقت نفسه تحقيق عائد مادي للشخص من ورائها .. وبما يعزز ثقافة العمل، والتعود على قيمه التي يجب ألا يستنكف منها لا فقير ولا مقتدر، وهذا ما سيجعل منها أمرا ذا جدوى.
إننا في أمس الحاجة إلى الخروج من دائرة المراكز الصيفية وما شابهها لإنتاج برامج تتعامل مع إجازة الطلاب بوعي أكبر, بحيث تتضمن كل ما هو مغر لهم للانضمام إلى تلك البرامج أولا لممارسة هواياتهم، وزيادة المهارات الشخصية فيها, ثم تحقيق مردود مادي من ورائها. هذا هو السبيل الوحيد لبناء الشخصية الاجتماعية المتزنة التي تستنفر قوى المجتمع وتحيلها إلى طاقات إنتاجية فاعلة, لأن السمة البارزة الآن تجاه عمل الطلاب في فترة الصيف أنها مسألة ترتبط ارتباطا وثيقا بالوضع المادي للشاب أو للأسرة، هذا هو الغلاف الذي يؤطرها مهما قلنا العكس، أو حاولنا التمويه على هذا المفهوم المشوّه، الذي لا يقود إلا إلى مزيد من التراخي والاتكالية والاستسلام للآراء السلبية التي تصادر من هذه الإجازة أهم عناصرها، وتجعل منها عبئا ثقيلا حتى على بعض الأسر التي تظل تتمنى عودة أيام الدراسة لتعود الحياة لانتظامها الطبيعي، بعدما كاد الخلل يصيبها في مقتل.
