تحتاج اللغة العربية اليوم، أمام مزاحمة العاميّة ومنافسة اللغات الأجنبية لها، إلى أساليب جديدة لنُعلّمها للنشء، بدءاً من مستوى رياض الأطفال وإلى ختام المراحل الجامعية المتقدمة، بل والانتقال بذلك إلى المجتمع الأوسع، لأن العربية تبقى الرابط الرئيس مع الدين والتراث وحاجات المستقبل التي تجمعنا معاً لبناء أمة واحدة تحـــمل رسالة حضارية وهي وسيلة تقدمنا في المستقبل. وصدق رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ حين يقول: (أحِبّوا العربَ لثلاثٍ: لأنّي عربيٌّ والقرآنُ عربيٌّ وكلامُ أهلِ الجنّةِ عربيٌّ).
والملاحظ لدينا، أفراداً وجماعات، أننا لا نستخدم القواميس العربية، فيما نحرص كل الحرص على تدريب أطفالنا منذ نعومة أظفارهم على استخدام القواميس الأجنبية التي أُعدّت في ضوء دراسات تربوية، في إطار محصول الطالب في مختلف مراحل العمر من المفردات والتعابير والمصطلحات التي تعلّمها من الكتب المدرسية، وما يمكن أن يكون قد اكتسبه من مدرسة الحياة في إطار الأسرة وبفضل وسائل الاتصال المرئية والمسموعة والمكتوبة. وهناك بعض القضايا الفرعية، فإن كلمة قاموس هي في جذورها يونانية ــ لاتينية، واحتاط العرب لذلك في القرن التاسع عشر فسمّوا القاموس المحيط وما إلى ذلك. أما كلمة مُعجم، فلا ندري كيف صيغت وكيف تمّ الاتفاق عليها، غير أنها برزت في مطلع القرن الثالث الهجري (نحو 214هـ/829م)، وعلى الرغم من محاولات اللغوي المشهور أبي الفتح عثمان بن جِنّي (ت 392هـ/1002م) لتفسير هذا المصطلح، فإنه لم يكن مقتنعاً فعلينا بأن نقبله كما وصلنا، وكم كُنتُ أتمنى لو سمّى لنا الأقدمون الكتاب الذي يحفظ مفردات اللسان العربي ومعانيها باسم (مجمع العربية) لكان الاسم أقرب إلى المعنى والمضمون. ويهمّنا أن نسجل هنا أن الطلبة لا يفهمون دائماً وأبداً معاني المفردات، وكذلك الجُمل التي يقرؤونها في الكتاب المدرسي، فقسم منها غريبٌ عليهم وغير مألوف، هذا إضافة إلى أن الحروف العربية إذا تُركت وحدها فهي صامتة لا تدلّ على أيّ معنى إلا إذا أُدخلت عليها الحركات من الفتحة والضمة والكسرة والسكون ضمن بناء الكلمة، زِد على ذلك أنّنا نقرأ أولاً ونفهم ثانياً مما يعني مضاعفة الجهد والزمن. وهناك مشكلة تتمثّل في صعوبة الإفادة من المعاجم الكبرى، مثل: (لسان العرب) لجمال الدين بن منظور (ت 711هـ/1311م)، و(تاج العروس من جواهر القاموس) للسيد محمد مرتضى الزبيدي (ت 1205هـ/1791م)، لأن الألفاظ رُتِّبت على أساس لام الفعل أو الحرف الأخير وليس على أساس الحرف الأول، وهذه طريقة مُعقّدة مُربكة وبخاصة إذا كان الاسم منقوصاً أو كان الفعل مُعتلاًّ، أو إذا كانت نهاية الكلمة واواً أو ياءً. زِد على ذلك، مشكلة الزوائد وثالثة الأثافي حرف الهمزة الذي لا يستقرّ على كرسي أو مقام، وفوق هذا وذاك الثنائي المضاعف. من هنا نرى أخيراً محاولات لإعادة ترتيب الأمهات الكبرى من المعاجم على أساس الحرف الأول من الفعل أو المصدر.
وإن هذه المشكلات جميعاً قد استرعت اهتمام المجمعين في دمشق والقاهرة فجاءت دعوتهم إلى صناعة معاجم حديثة تجمع بين القديم والحديث، وطرحت فكرة مشروع المعجم المدرسي العربي. ويأمل المُربّون من القائمين على المعجم المدرسي العتيد أن يكون ترتيب المعجم على حروف الهجاء العربية وفق أوائل الجذور توخياً لسهولة الاستخدام، ويثبت مع الجذر اللغوي الاشتقاقات، وأن يُقدم صيغة الجمع للاسم وأن يورد اسم الفاعل واسم المفعول والتأنيث والتذكير.. إلخ. وكما أشرنا أعلاه، لا بد من تشكيل الكلمة بالحركات ليتدرّب الطالب منذ نعومة أظفاره على سلامة نطقها. والمأمول من هذا المعجم الابتعاد عن الألفاظ الغريبة والحوشية وأن يُعرِّف بالألفاظ بشكل واضح مُحدداً معانيها، ويجيء كل ذلك بشكل مختصر. وأن يعمد هذا المعجم إلى إثبات ما يدور في عالم المدرسة من الألفاظ والتعبيرات، مع مراعاة تطور الدلالة للألفاظ العربية، وألا نقتصر على الألفاظ العلمية الشائعة، بل يمتد الأمر للألفاظ المولدة أو المُعرّبة التي تتفق مع قواعد اللغة العربية المرعية، وأن يتّسع المعجم المنشود ليُعرِّف بأسماء الأعلام مع ذكر تاريخ الوفاة بالهجري والميلادي، والتعريف بأسماء المواقع الجغرافية حسب المصادر العلمية المعتمدة، وكذلك توفير الخرائط بشكل مبسط. وكي ينجح هذا المعجم عليه الإفادة من مفردات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وأن يكون مفتاحاً للوصول إلى مكنونات كتب التراث من شعر ونثر وأن يُعنى بمادة الصحافة اليومية، وفوق هذا وذاك أن ينطلق من الكتب المدرسية المعتمدة، ويستدعي هذا المشروع إعداد برنامج حاسوبي لكل هذه المفردات والمصطلحات الشائعة الاستخدام التي تتماشى مع النمو العمري والذهني للطالب بحيث تُشكِّل في نهاية المطاف رصيده اللغوي.
والسؤال الكبير: من يستطيع النهوض بمثل هذا المشروع المهم والضروري؟ ربما يتبادر الذهن فوراً إلى أن الجامعات والمجامع اللغوية والمؤسسات التراثية العربية ومكتب تنسيق التعريب في الرباط وإلى وزارات التربية والتعليم في البلاد العربية. وتستطيع هذه المؤسسات أن تقدم بعض المواد العلمية، وأن تشارك في التدقيق، ولكنها مع الأسف غير قادرة على إنجاز مثل هذا المشروع الحضاري الكبير. وبما أن ملايين الطلبة العرب ربما يزيدون على مائة مليون، سيستخدمون هذا القاموس، فإن الأمل معقود على المستنيرين من رجال المال والأعمال لتشكيل شركة مساهمة ضخمة تستعين بذوي الخبرة الفنية في شركات الطباعة العالمية التي تُشرف على طباعة قاموس أكسفورد وقاموس Webster ولا روس وغيرها من أجل الإنتاج الفني واختيار الحرف المناسب وتزويد القاموس بالرسوم الإيضاحية والصور الملونة. وإنه من الميسور لهذه الشركة أن تُشكِّل لجان العمل العلمي من مختلف التخصصات وأن تدفع لهم المكافآت المالية المجزية لإعداد المواد المطلوبة بعد دراستها حسب الأصول العلمية وإقرارها بالسرعة الممكنة. وهذا العمل من الناحية الاقتصادية مُجدٍ، وسيدرّ الملايين، وسيكون تجارة رابحة ويُمثِّل الدور المأمول من القطاع الخاص لتلبية هذه الحاجة العلمية الماسة لأبنائنا في المدارس. وكلّنا قرأ وسمع أن عدد الأميين في العالم العربي يربو على سبعين مليون شخص، ولكن إذا توسّعنا في تعريف الأمية لتشمل من يجهل استخدام الحاسوب والقاموس، فإن جمهور الأمة، لسوء الحظ، ينضوي تحت هذا التصنيف، وإننا في غالبيتنا (أُمِّيون)، وحالنا هذا عبّر عنه جمال الدين بن منظور قبل قرابة سبع مئة سنة عندما قال: (... وذلك لما رأيته قد غلب، في هذا الأوان، من اختلاف الألسنة والألوان، قد أصبح اللحن في الكلام يُعدّ لحناً مردوداً، وصار النطق بالعربية من المعايب معدوداً. وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون، وسمّيتُه لسانَ العرب ...). فنحن اليوم بحاجة إلى لسان عرب لطلبة المدارس، والصلاة خيرٌ من النوم، فحيَّ على الفلاح للشروع في هذا القاموس المدرسي.
