ليس أسهل على أية حكومة، من تحميل المشكلات الاقتصادية وغيرها إلى الحكومة التي سبقتها. السابقون هم المخطئون، و«الأشرار» هم السابقون. هكذا قالت وفعلت حكومة الائتلاف (مكونة من حزب المحافظين وحزب الديمقراطيين الأحرار) البريطانية، وهكذا تفعل وتقول حكومة يمين الوسط في المجر، التي أدت اليمين الدستورية قبل أيام. لكن لا الاتهامات تنفع، ولا الشتائم تفيد ولا اللعنات تحل المشكلات. وما على الحكومة الجديدة في صوفيا إلا أن تستعيد شيئاً من ذكريات «البارحة» في الولايات المتحدة، عندما تسلم الديمقراطيون مقاليد الحكم هناك، من إدارة لم تُبق حجراً على حجر في البناء الاقتصادي الوطني, فاتهامات الديمقراطيين للجمهوريين لم تجلب دولاراً واحداً لخزانة البلاد. فعلى الفور اكتشف الديمقراطيون أن عليهم السعي إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتركوا للتاريخ مهمة المحاسبة، وتحديد أي من الأبواب الخلفية له سيدخله الجمهوريون.
إن الحالة الاقتصادية المجرية ليست عدوى، بل هي جزء أصيل من المرض الاقتصادي العالمي، الذي أصبحت العدوى معه شيئا من الماضي. السؤال الذي يردده المجريون قبل غيرهم هو: هل تنجر بلادنا إلى القاع الأوروبي، وهي تحتل المركز الـ 32 من حيث دخل الفرد في أوروبا، والمركز الـ 18 في الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة؟ ويأتي سؤال مستولد منه هو: هل ستقبع عند مستوى العمق الذي بلغته اليونان، الرازحة تحت هول من الديون، وجبال من خطط الإنقاذ، فيها من الأموال، ما يوازي موجوداتها من الإهانات؟! ولعل السؤال الأهم هو: هل ستندفع أوروبا (المستنزفة اقتصاديا وماليا أصلاً) نحو المجر، لتوفير الأموال التي تُمكن هذا البلد من إعادة جدولة ديونه، والإيفاء بمستوى العجز المسموح أوروبيا في موازنته العامة؟ لكن هل يستوي «اليوريون» ــ نسبة لدول اليورو الأوروبية ــ مع غير «اليوريين» الأوروبيين؟!
لا شك في أن الاتحاد الأوروبي لن يترك دولة عضوا فيه في مهب الريح, فالقضية لا تنحصر في مستقبل دولة، بل في مصير اتحاد أراده الأوروبيون مثالاً اتحادياً، ومن ثم وحدوياً يحتذى على مر التاريخ. فهم على «هنَاتهم» الاقتصادية الراهنة، يسعون إلى تكريس عمق التجربة الاتحادية ــ لا الوحدوية ــ الأوروبية، من خلال إسناد العضو المتداعي. والحالة اليونانية توفر أكبر دليل على ذلك، مع بعض الحساسية غير الموجودة في الحالة المجرية، وهي أن ماكينة الأولى الاقتصادية تقوم على اليورو، والماكينة الثانية لا تزال قائمة على العملة الوطنية «فورينت». هذا.. إلى جانب فارق مهم، هو أن اليونان تعيش مصيبة، والمجر تحيا مشكلة عميقة، مرشحة لـ «الترقي» إلى مستوى المصيبة، إذا ما ظلت الحكومة المجرية تندب حظها العاثر بحكمها بلداً في حالة شبه خراب، وقعت خارج عهدها.
سيتقدم الأوروبيون للنجدة إذا ما استدعى الأمر ذلك، وهم يصيحون بعباراتهم المُهينة، لأن هذه الأخيرة، تقوم بدور أساسي في امتصاص غضب شعوب الدول التي ترصد الأموال لإنقاذ دول أخرى. الأزمة الاقتصادية العالمية، التي ولدت ــ وتولد ــ المصائب المستمرة، أوجدت ما لم يكن في حسبان المتحمسين للوحدة الأوروبية الشاملة أو الجزئية ــ لا فرق ــ لقد جلبت ما يمكن أن نطلق عليه «القومية الاقتصادية». ووفق هذا التحول ستجري مخططات الإنقاذ، وعلى أساسه ستحدد الدول الكبرى (المانحة والمرعوبة في آن معاً) في المنطقة الأوروبية مستوى حماسها، ولا سيما أن الأمر يبدو مثل مسلسل تركي أو مكسيكي هائل في عدد حلقاته. اليونان كانت بالأمس، والمجر اليوم، وإسبانيا والبرتغال، وربما إيطاليا في الغد. ولنترك ما بعد غد، للتوانيا ولاتفيا.
إنهم يسمون الأزمة الحالية «ديونا سيادية»! لكن هل هناك سيادة وسط بحر من الديون؟!
