"هذه المقالة بإيعازٍ من أستاذنا محمود لعوتة.."
واعدت طبيبي الملح الموسوس أن أدخل المستشفى اليوم، فقط لمتابعة بعض النتائج، على أن السيد "لعوتة" طلب مني أن أكتب عن محرومي المونديال .. ثم سأتابع مع طبيبي الدكتور نصر الذي لا يعرف أصلا ما هو المونديال، ولن يقبل عذري بمتابعة أحداثه..
دعونا نتحدث أولا عن المونديال، الذي بدأ اليوم يومه الثاني وسيستمر شهرا ستدور الكرة الأرضية على أحداثه حتى يتوّج الفريق الفائز. فكرة القدم برأيي هي أكثر نظام ديمقراطي عدلي على وجه الأرض يطبق بحذافيره. فيكون هناك لاعب أرستقراطي مثل أسطورة الإنجليز ورافع كأسها الوحيد في بطولة العلم "بوبي مور"، والذي دار اسمه في العالم حينها كأشهر شخصية على الأرض، وهناك لاعب أزقة أهله الأقدمون من عبيد زراعة قصب السكر الذين أحضرهم البرتغاليون من مئات السنين إلى العالم الجديد، وكان يعيش في أفقر عشوائيات أكبر مدن البرازيل، فقيراَ رثـّا، لا يملك أهله وجبة يومهم، ثم رفع كأس البرازيل ثلاث مرات، وهو جوهرتها السوداء، بل جوهرة كرة القدم كوكبيا، "بيليه".. وبالبرتغالية تعني الجوهرة السوداء، سماه بها خبير كرة من صيادي اللاعبين .. "بيليه" صار وما زال من أشهر الأسماء على الأرض .. وتزداد الآن العنصرية الدينية والأثنية في فرنسا، ثم يصير الجزائري المسلمُ "زيدان" الأكثر شعبية من الرئيس الفرنسي ذاته .. و"صموئيل إيتو" بزغ من أفقر قرى العالم بالكاميرون حيث البيوت مجرد كراتين ليكون نجما كونيا في أفقين باهرين الإسباني ثم الإيطالي .. منتهى الديمقراطية!
ثم إنها لعبة عدلية إنسانية لا يمكن أن ينحرم منها بشري مهما بلغ فقره، أو وضعه الاجتماعي، أو تهميشه، أو حتى سجنه، فكرة القدم من الممكن أن تـُلعب بأي مكان، بالأحواش والأحراش، بالبراري، بالشوارع، بالأزقة، بالميادين، بالبيوت وعلى الأسطح.. وتـُلعب بأي مادةٍ قابلة للركل، ففي مصر كانت "كرة الشراب" هي السائدة في كل أحياء مدنها، ومن الممكن أن تلعبها حتى بعلبة مشروب فارغة ومرمية .. بأي شيء.. منتهى العدل في منح الفرص!
وهي تحقق المساواة البشرية بأقصاها، ففي فريق واحد تجد الأبيضَ، والأسمرَ، والأصفر، وتجد المسلمَ والمسيحي والبوذي، والطويل والقصير، والقوي والرشيق، ثم هم فريق متماسك متعاضد متعاون من أجل تحقيق الفوز لكل الفريق بأثنياته وألوانه المختلفة.. منتهى المساواة!
ولأول مرة يُقام المونديالُ بإفريقيا، هذه القارة المنسية والمتروكة للمرض والعنف والتخلف والجوع والجفاف، واستغلال الموارد.. ولأول مرة أيضا تظهر علاماتُ انفراجٍ اقتصادي في إفريقيا، فهي حققتْْ بمجمل اقتصادها تقدما ملحوظا منذ بداية الربع الأول حتى الآن، وبدأت تتقدم بحياتها السياسية، فقد راقبنا عدة حكومات أتت بانتخابات ديمقراطية خالعة حكومات أحادية مستبدة، وجنوب إفريقيا بالذات تخطو رغم ثقل معاناتها السياسية والاقتصادية والظرفية بتؤدةٍ إلى الأمام نحو تحقيق وعد أول رئيس ديمقراطي منتخب أسود لها: العظيم نيلسون مانديلا..
منذ أواخر الخمسينيات، وبالذات في عام 1958 عام بيليه ورفاقه، بدأ التلفزيون ينتشر في العالم، وفي ذلك الوقت نقلت دولة فقيرة مثل كولومبيا المباراة (مسجلة بساعات طبعا فالبث المباشر لم يعرف بعد) وكل دول العالم المتقدم ما عدا أمريكا.. التي كانت آنذاك لا تعرف كرة القدم، ثم لما عرفتها سمتها (سكـَر) لأن لديهم لعبة شعبية تدعى كرة القدم الأمريكية.. ثم صارت كل تلفزيونات العالم الرسمية قبل صرعة الفضاء والتلفزيونات التجارية تنقل لشعوبها المونديال لما بدأ إرسال الأقمار الصناعية المباشرة..
وكنا نعتقد بوجود الأقمار الصناعية وبوصوله لكل بشري بسهولة أن تكون المشاهدة مثل الهواء، ولكن الرغبة الجامحة في الأرباح التجارية الهائلة التي سيحصدها من يحتكر بث مباريات المونديال دفع للاحتكار، ومعناها أن من سيدفع سيشاهد، ومن لا يدفع سيُحرم.. وهم من سماهم الأستاذ "لعوتة" بمحرومي المونديال.. مع أني قرأت في جريدته "الاقتصادية" أن قناة الجزيرة محتكرة بث المونديال سترفع الحظر أو شيئا منه، وإن فعلت فسيكون لها موجة تسونامية كروية من "المشجعين"!
إن كانت كرة قدم بتلقائيتها وطبيعتها ديمقراطية وفي متناول الجميع، فلم لا يكون الإنسان كذلك؟!
كل البشر سيجتمعون بعقل وقلب وهدف واحد لمدة شهر، وهنا سيكون مجتمع كوني كنا نعتقد تحقيقه مستحيلا.. فلا تحرموا الفقراء منه.. من يحرم فقيرا من مشاهدة أهم مناسبة رياضية على الأرض لأهم لعبة على الأرض، فهو من أقسى القلوب على الأرض!
وعلى "الفيفا" أن تجد حلولا لمن يريد أن يربح، وأن تجد حلا لمن يريد أن يشاهد!
