التحولات الكبيرة تحتاج إلى قيادة ملهمة وعظيمة، وحكومة خادم الحرمين هي حكومة التحولات الاستراتيجية الكبيرة المرتكزة إلى منهجية علمية وخطى مخططة طموحة, هدفها الأسمى الارتقاء بالمواطن والوطن. في هذه البيئة المشحونة بالإصرار على العمل والرغبة الجامحة في الانطلاق نحو مستقبل أفضل ومكافحة كل أنواع الفساد, ومن بينها سوء إدارة الموارد المتاحة, يأتي مركز قياس أداء الأجهزة الحكومية كنقطة تحول مفصلية في هذه المرحلة المهمة وسيكون له ما بعده. ونظرا لحجم التغيير الكبير الذي من المتوقع أن يحدثه هذا المركز, لذا لم يكن مستغربا ـ إن لم يكن ضروريا - عدم الاستعجال في بنائه واستكمال أدواته, ومن ذلك التدرج في مرجعيته من المدير العام لمعهد الإدارة العامة في مرحلته الأولى حتى رئيس مجلس الوزراء في المرحلة الثانية. هذا التدرج في المرجعية وعدم الاستعجال فيها يدل على وعي كامل من قبل حكومة خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ـ بأهمية وخطورة القرارات التي ربما تستند إلى استخدام المعلومات التي سينتجها المركز. في هذا الإطار فإن المرحلة الأولى ـ كما وضحها ـ مدير عام معهد الإدارة العامة ستركز على توفير المعلومات - فقط - للمسؤولين في الجهات والمؤسسات الحكومية المختلفة عن كفاءة وفاعلية استخدام الموارد المتاحة لهم.
وفي عالم تعتبر المعلومة فيه سر الحياة ومنبع البقاء, فإن توفير هذه المعلومات عن الموارد المتاحة لكل جهة وعن كفاءة استخدامها وفاعلية ذلك الاستخدام حتى على مستوى الفروع تطور مهم في عالم الإدارة العامة السعودية وسيسهم ـ في حال تم استخدام تلك المعلومات بكفاءة وفاعلية من قبل أولئك المسؤولين ـ في رفع مستويات الإنتاج وتقليص الهادر ومكافحة الفساد بشتى صوره، وبالتالي استمرار هذه المؤسسات حية وبقاء جميع منسوبيها يعملون. نحن اليوم، ومعنا العالم، نعاني تقلصا شديدا في الموارد المتاحة يصاحبه هدر شامل لجميع الموارد وسوء استخدام مع تدني الفاعلية. وسعيا وراء رفع مستوى الأداء العام يجب أن نعرف ـ بحيادية تامة وموضوعية ـ أين نحن الآن وأين هو الآخر؟ والآخر هنا ربما يكون ما يجب أن نكون عليه، وذلك يقتضي فيما يقتضيه تطوير وصناعة مؤشرات علمية تقيس الواقع وتحدد المعيار المأمول. ومع الاعتراف بأن صناعة المؤشرات اليوم تعتبر عملا صعبا وتحتاج إلى خبرات وجهود كبيرة ودقة منهجية كونها جزءا من منظومة صناعة المعرفة أهم وأعقد الصناعات الحديثة وعليها نعول في بناء المستقبل وحماية أجياله، إلا أنه مما تستريح له النفس أن معهد الإدارة العامة على وعي وإدراك بهذه المهمة الجسيمة وأهميتها, وله تجربة واسعة, لذلك عمل على استقطاب الشركات المتقدمة في هذا المجال. ولا عجب في وجود شركات متخصصة في هذه الصناعة, فاقتصاد المعرفة يفرض نفسه من خلال الطلب المتزايد على المعلومات العلمية الموثوقة مقابل ندرة نسبية في عملية إنتاجها وفق الأسس العلمية المقبولة. المعلومات متوافرة هنا وهناك, لكن المعلومة التي يمكن التعويل عليها في اتخاذ القرارات الاستراتيجية بتخصيص الموارد ـ وهي من أهم القرارات في حياة الأمم اليوم ـ تعتبر نادرة إلى حد ما.
ومع الإقرار بأهمية الدور الذي يجب أن يقوم به معهد الإدارة في هذه المرحلة والثقة بقدراته بعد أن اختارته القيادة لهذا المشروع المفصلي في حياة عملية صنع القرار الحكومي, إلا أن تطوير قدرات مسؤولي الجهات الحكومية في المستويات كافة ورفع الوعي لديهم بأهمية تلك المؤشرات وكيفية استخدامها في عملية اتخاذ القرار وتخصيص الموارد هي المحك الحقيقي في نجاح هذا المشروع العملاق، وهي التي ستقود إلى نجاح المرحلة الأولى وتجهيز العمل للمرحلة الثانية, التي من المؤمل أن تكون جوهرية, وهي مرحلة التغير المنتظرة. في تلك المرحلة ومن خلال ربط المركز برئيس مجلس الوزراء, فإن تخصيص الموارد على الأجهزة الحكومية ستصبح عملية أكثر تعقيدا ودقة, كما أنها ستكون تنافسية إلى حد بعيد وسيكون البقاء – في تلك المرحلة – للأصلح والأقدر على استخدام تلك الموارد بالكفاءة والفاعلية المطلوبة. والحكم في ذلك سيكون لمؤشرات قياس الأداء المستقلة والمحايدة.
