هل تفلت إسرائيل من المساءلة في جريمة شهداء الحرية؟
يبدو أن إسرائيل تشعر بالاستغراب لأن العالم كله يستهجن سلوكها، ولأن حليفها القديم تركيا غير لهجة الخطاب، فقد ظنت إسرائيل أنها خلقت لتعربد وتفعل ما تشاء دون أي لوم أو مساءلة أو عقاب، كما ظنت أنها تستطيع أن تفرض قانون الغاب فتضم فلسطين وتبيد الفلسطينيين وتهدد العرب وتفرض نفسها سيدا لغابة لا يجرؤ فيها قط على منازلتها. ولذلك تستغرب إسرائيل عبارات اللوم الرقيقة التي سمعتها من أصدقاء يتفهمون عملها لكنهم يرونه أكبر مما يحتمله الموقف، وأنه تعبير على كل حال عن ''مخاوف مشروعة '' كما قال أوباما. حدث ذلك في كل مرة تغتال فيها رجال المقاومة وبررته بضروراتها الأمنية ودفاعها عن نفسها مرورا بالمجازر والجدار ثم محرقة غزة الوحشية وفرض الحصار على أهلها المحشورين تحت رحمة إسرائيل، حتى تجاسرت إسرائيل أيضاً على تبرير قتلها لشهداء قافلة الحرية بهذه الوحشية بأنه كان دفاعاً شرعيا عن النفس، أي أن للقاتل اللص الحق في الإغارة على أناس لا علاقة له بهم، فإذا أبدوا امتعاضهم كان من حقه أن يبيدهم على جرأتهم في مجرد الاعتراض. هذا هو منطق العصابات، ولذلك لا بد أن قهر إسرائيل على الاختيار إما الامتثال للقانون الدولي ولسلوك الأمم المتمدينة في المنطقة التي قبلت استضافتهم ويستحيل أن تقبل بهمجيتهم وعدوانهم، أو أن تصبح الفوضى هي القانون والقوة هي الأصل، دون حاجة إلى أخلاق أو دين أو ضوابط حضارية.
ترفض إسرائيل التحقيق الدولي في الجريمة وتراوغ للإفلات، كما سبق لها أن قاطعت كل لجان التحقيق بعد محرقة غزة وقبلها وحاربت تقرير جولد ستون الذى سجل بعض جرائمها، ولكن هناك عاملان متناقضان في هذا المشهد: الأول هو العامل الأمريكي الذي يشجع إسرائيل ويساعدها على الإفلات من ضوابط السلوك المتحضر، بكل الطرق، وهذا عبء فادح يدفع ثمنه الشعب الأمريكي من مصالحه وقيمه وضميره وصورة بلاده، كما يؤدي هذا الموقف إلى اليأس من أي معنى للعدالة ويقود إلى الفوضى. أما العامل الثاني فهو إصرار تركيا والعالم على التحقيق الدولي حتى يفرض على إسرائيل السلوك القويم.
إن ما يطالب به العالم كله هو التحقيق في مجزرة أسطول الحرية ويطالب بتطبيق القانون الدولي على هذه الدولة المارقة من كل قيد، فلماذا تدفع الإدارة الأمريكية هذا الثمن الباهظ مقابل حماية إسرائيل من الحساب وتقويض المصالح الأمريكية، حتى تعالت الأصوات في الولايات المتحدة حول هذه القضية وهي أن إسرائيل وتصرفاتها عبء لا ريب فيه على واشنطن، فلماذا تصر واشنطن على تطبيق القانون الدولي على الجميع، مثلما تصر على حماية إسرائيل من العقاب. التحقيق الدولي هو الخطوة الأولى لاستجلاء الحقيقة، ولا مصداقية للتحقيقات التي تجريها إسرائيل،لأنها تكون بذلك القاضي والخصم، ثم يكون للقضية وجوه أخرى بعد فرض التحقيق الدولي. فهل يكفي الضغط التركي والعالمي لموازية الحماية الأمريكية لجرائم إسرائيل؟ وهل حماية أمن إسرائيل تشمل أيضاً حماية جرائمها، ومن ذا الذي هاجم إسرائيل منذ قيامها، الأولى بالحماية هو أمن المنطقة من شعور إسرائيل التي ترك لها العنان للعربدة والإجرام.