ينبغي ألا نقلل من أهمية فضائح الفساد الحالية التي تحدث في إندونيسيا. فهناك سلسلة من الفضائح المؤلمة العلنية تعصف بالشرطة الإندونيسية حالياً. وعلى الرغم من أن التحقيقات في الفساد ليست أمراً جديداً على إندونيسيا، إلا أن ما يميز الفضائح الحالية عن الفضائح في السابق هو أنه يتم خوض المعارك الحالية داخل وبين أجهزة حماية القانون. ويعني هذا تشديد حرب إندونيسيا على الفساد، ويدعم تنفيذ إصلاحات هيكلية أكثر عمقا في النظام القانوني. وقد يصبح عام 2010 نقطة تحول في تطور أجهزة حماية القانون الإندونيسية. وما يجعل هذه القصة مقنعة للغاية هو أنه قبل اثني عشر شهرا لم يكن أحد ليتنبأ أبداً بأن من الممكن أن تقع هذه الأحداث.
إن أسباب الوضع الحالية عميقة ومعقدة. ففي أوائل عام 2009، وقع خلاف بين هيئة مكافحة الفساد في إندونيسيا، وهي لجنة القضاء على الفساد، وبين الشرطة الوطنية، بسبب التنصت على المكالمات الهاتفية لبعض كبار ضباط الشرطة. ونتيجة لذلك، حاولت الشرطة خلال منتصف وأواخر عام 2009 انتهاز الفرصة لإثارة قضية الفساد ضد كبار مديري لجنة القضاء على الفساد. وأدى الغضب الشعبي العارم من الشرطة إلى وضع القضية على الرف بحلول نهاية العام.
كما لو أن هذه الأحداث لم تسبب قدراً كافياً من الإهانة والضرر، شهد عام 2010 إثارة مشكلات أكبر للشرطة الوطنية أكثر مما حدث عام 2009. ويردد جميع من يراقب هذه القضية كلمتين، هما Susno Duadji، وهو جنرال بثلاث نجوم في الشرطة، ورئيس المحققين السابق في الشرطة الوطنية. وقد كان سوسنو في السابق في محور صراع الشرطة للتحقيق في لجنة القضاء على الفساد عام 2009. وفي ذلك الوقت، اعتبر سوسنو من قبل الشعب شخصاً فاسداً ومغروراً ومتلاعباً ورمزاً عاماً يمثل أسوأ صفات الشرطة الإندونيسية. ولكن في تحول مفاجئ، أصبح هذا الضابط الآن شخصاً يفضح الفساد. وقد كشف بنجاح عن تورط ضابط شرطة كبير تحت قيادته في أخذ الرشا.
لقد كانت اعترافات الجنرال سوسنو مدمرة بالنسبة للشرطة الإندونيسية، ولكنها كانت مصدراً لكثير من التوقعات والإثارة في المجتمع. وحتى الآن، كان من الصعب للغاية اختراق بؤر الفساد داخل النظام القانوني (الذي يطلق الناس في إندونيسيا «المافيا القانونية»). إلا أن قرار سوسنو بالاختلاف علناً مع الشرطة أثار آمال المدنيين بأن يواجه كبار الفاسدين داخل النظام العدالة الآن.
ظهر الخلاف بين سوسنو ومؤسسته بسرعة، ولكن بشكل تدريجي بعد فضيحة لجنة القضاء على الفساد. واضطر رئيس الشرطة، B.H. Danuri، إلى إقالة سوسنو على مضض في تشرين الثاني( نوفمبر) 2009، حيث كان هذا ثمناً لتحقيقات الشرطة الوطنية الفاشلة. لذا يبدو أن الجنرال اضطر إلى اتخاذ هذا القرار. وفي كانون الأول(ديسمبر) 2009، بدأ الضابط بحكم منصبه بإجراء مقابلات غير خاضعة للرقابة للصحافة. وفي كانون الثاني (يناير) 2010، ظهر سوسنو باعتباره شاهد دفاع ضد الشرطة في محاكمة مدير سابق للجنة القضاء على الفساد. وفي هذه المحاكمة، وجه اتهامات خطيرة مفادها أن أدلة الادعاء ملفقة من قبل الشرطة. وبقدر ما كانت جميع الدلائل تنذر بالسوء في آذار (مارس) 2010، إلا أن سوسنو اتخذ قراراً لا رجعة فيه، ووجه اتهامات رسمية ضد بعض مرؤوسيه السابقين؛ زاعماً أن بعض كبار الضباط تحت قيادته سرقوا المال من حسابات مصرفية محجوزة لمسؤول في الضرائب فار من العدالة، هو جايوس تامبونان.
ومنذ آذار(مارس)، تفتتت قضية جايوس إلى قصص وقضايا صغيرة. وقد أدت اتهامات سوسنو حتى الآن إلى فتح تحقيقات جنائية مع أحد القضاة، وأحد المدعين العامين للدولة، وسبعة من كبار ضباط الشرطة- بمن فيهم اثنان من الجنرالات. وفي حين أن هذه التحقيقات هي مجرد نقطة في بحر، مقارنة بحجم الفساد في إندونيسيا، إلا أن اعترافات سوسنو مهمة للغاية. فهي في المقام الأول مصدر إحراج كبير للشرطة في أسوأ وقت محتمل. وثانيا، أدت إلى إيجاد جو من الخوف داخل النظام القانوني من اتساع نطاق هذه التحقيقات، بحيث تطال المزيد من الضباط في أعلى السلسلة. وثالثا والأهم، دفعت النظام القانوني إلى منطقة مزعجة يجب عليه فيها أن ينقلب على نفسه. وإن الذي يجعل كل هذا خطيرا للغاية هو حقيقة أن سوسنو لاعب رفيع المستوى، ومعرفته العميقة بالغسيل القذر لأجهزة حماية القانون في إندونيسيا تجعل سلوك سوسنو المتمرد خطراً للغاية على الحالة الراهنة.
ليس من المستغرب إذن أن يكون أحدث تطور في هذه القصة هو اعتقال سوسنو. ففي أيار (مايو)، بثت الشرطة بثا حياً محاكمة عسكرية لأحد الضباط المتورطين في التحقيق في جايوس. وقد اعترف هذا الضابط بأخذ الرشاوى خلال تحقيقاته، ولكنه زعم أن سوسنو تدخل بشكل فاسد في قضية الشرطة. ونتيجة لذلك، تم اتهام سوسنو وستتم على الأرجح محاكمته بسبب ذلك. ويعد المجتمع هذه الخطوات محاولة من قبل الشرطة الوطنية لإسكات الجنرال المارق.
بالنظر إلى المستقبل، يمكن القول إن الحقيقة الأكيدة الوحيدة هي أن أجهزة حماية القانون بشكل عام والشرطة بشكل خاص، ستواجه المزيد من الألم والفضائح والغضب الشعبي. فقد أظهرت الشرطة، سواء عن قصد أم لا، أسوأ جانب لها للشعب الإندونيسي: الغرور، وإساءة استخدام السلطة، والفساد، وأكثر من ذلك. وفي الوقت الراهن، يبدو أن تكتيكات الشرطة تتمحور حول محاولة وقف النزيف عن طريق إسكات سوسنو. ولكنها، أثناء فعل ذلك، تقوم بحفر حفرة أعمق عن طريق الإساءة بصورة أكبر للشعب، والبرلمان، والحكومة الإندونيسية. وهنا تكمن مشكلة الشرطة- في كل يوم تستمر فيه الفضائح تزيد الضغوط على الشرطة الوطنية لتنفيذ الإصلاحات. وحتى لو تمكنت الشرطة الوطنية من الصمود في وجه العاصفة الحالية، دون أن تضطر إلى التنازل عن أي من امتيازاتها الحالية، فستظل المشكلة الدائمة بالنسبة للدولة هي أن اسم الشرطة تعرض لأضرار لا يمكن إصلاحها. وقد كان مفهوم إصلاح الشرطة حتى الآن مشكلة فقط بالنسبة للشرطة الوطنية، ومجموعة مختارة من الأكاديميين والخبراء القانونيين. أما اليوم، فقد تراكم كثير من البخار السياسي لتنظيف الشرطة على نطاق أوسع. ويبدو أنه لا بد من تلبية هذا الطلب.
خاص بـ «الاقتصادية»
حقوق النشر: opinion Asia
