نتسوق ونرتب مناسباتنا الاجتماعية بعد صلاة العشاء، أي في وقت متأخر بوضوح مقارنة بالشعوب الأخرى. النتيجة السهر وتأخير النوم، ومخالفة ما خلق الله عليه البشر.
قال ــ عز وجل: «هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه، والنهار مبصرا» سورة يونس الآية 67. وقال «وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا»، سورة النبأ الآيتان 10 و11. وتقول دراسة صادرة عن كلية الطب في هارفارد ونشرت في مجلة علوم الأعصاب الأمريكية إن النوم العميق بالليل يحسن الذاكرة ويقوي سرعة الاستفادة منها في ممارسة المهارات. المصدر جريدة «الشرق الأوسط» عدد 28 تموز (يوليو) 2005. ونشر موقع «إيلاف» في 11 آذار (مارس) 2003، توصل باحثين إلى أن السهر يضعف ذكاء الأطفال واستيعابهم فيما يساعد النوم المبكر على زيادة مستوى ذكائهم وقدراتهم الذهنية والإدراكية.
المجتمع صنع مشكلة متعددة الجوانب: دينية وصحية واقتصادية واجتماعية وتربوية. كما أنه زاد من اعتمادنا على الأيدي العاملة غير السعودية. الناس يطلبون الصحة, يطلبون الإنتاجية والالتزام بالدوام، يطلبون البركة وفي التبكير بركة، يطلبون الوظائف لأولادهم, لكنهم في الوقت نفسه، يتبعون عادات تعاكس أو تعمل ضد تحقيق ما يطلبون.
كيف نشأت هذه المشكلة؟
قبل عقود، كان أجدادنا وآباؤنا يعتمدون غالبا على أنفسهم في أداء الأعمال، التي كانت تنتهي مع غروب الشمس، وكان الناس يتناولون عشاءهم قبل الساعة الثامنة مساء، وتجدهم يأوون إلى فرشهم مبكرين.
في عقد السبعينيات من القرن الميلادي الماضي حصل ارتفاع حاد في الطلب على السلع والخدمات والأيدي العاملة، ومصدر هذا الارتفاع تدفق المال والثروة جراء ارتفاع إيرادات صادرات النفط، الذي أفاء الله به على الناس، وليس جراء طفرة في العمل والجهد والانضباط.
مع ضعف القدرات الإنتاجية، ونقص الأيدي العاملة، ودخول الناس إلى عالم جديد من الثراء السهل، كان اللجوء إلى استيراد السلع والخدمات والأيدي العاملة أسهل وأقرب حل.
كان من نتائج تدفق المال كثرة فتح المحال والمؤسسات الفردية، ومعظمها مملوك لأفراد لديهم أعمال ووظائف أخرى، لكنها اعتمدت في تشغيلها على الأيدي العاملة المستقدمة، ضمن شروط تعاقد وظروف عمل لا يقبل عليها ولا يقبل بها أغلبية السعوديين.
أمسى عمل المحال والمؤسسات يعتمد كثيرا على الفترة المسائية، ولفترة قد تصل إلى عدة ساعات بعد غروب الشمس، ومن ثم أمسى مع مرور السنين جزءا من حياة الناس، حتى أصبح يرى حسنا ما ليس بالحسن. ساعد على ذلك كون الدوام الحكومي لا هو بالدوام الكامل، ولا هو بالجزئي. وهكذا تعود الناس على قضاء جزء كبير من مصالحهم ليلا. وتعود كثير من الآباء الذهاب إلى بيوتهم متأخرين بعد نوم أطفالهم، ولم يعد كثير من العائلات تجتمع في وجبة العشاء.
توسعت المدن والأسواق، وتعود الناس على التسوق بعد العشاء، فالمال في أيديهم، وفترة الظهيرة حر، وألف الناس حياة التنعم، وعند المغرب والعشاء تقفل المحال للصلاة، والفترة الصافية بينهما قصيرة نسبيا، ولذا فأنسب وقت للتسوق وللمناسبات الاجتماعية هو بعد صلاة العشاء.
التعود على العمل والتسوق في وقت متأخر من النهار إلى ثلث الليل، عود الناس على تناول وجبتي الغداء والعشاء في وقت متأخر كثيرا. وتعود الناس على عادات سيئة كالتأخر في النوم.
كيف؟ كيف نجمع بين تلك العادات السيئة وطموحاتنا في أن نرى أولادنا يتعشون مبكرين وينامون مبكرين ليكونوا في المدرسة قبل السابعة صباحا، وقد شبعوا نوما وامتلأوا حيوية وكانوا من أفضل الطلاب تحصيلا ونمط حياة.
لو رغب أحدنا في التسوق أو إقامة مناسبة اجتماعية بين المغرب والعشاء (في غير رمضان) لكان ذلك مثار عجب أكثر الناس، فهم يرون الوقت غير مناسب، وأهم سبب أنه وقت قصير، وتسمع من يصفه بالوقت الميت. البديل؟ تأخير التسوق والمناسبات والطعام إلى ما بعد صلاة العشاء. لكن هذا التأخير جر أضرارا ومشكلات بالغة القوة، والمقام لا يتسع لشرحها.
ما الحل لترغيب الناس في تقليل السهر وتنظيم وقتهم بشكل أفضل؟
هذه قضية جوهرية ومن ثم يجب أن نعطيها ما تستحقه من اهتمام.
هناك عامل سيسهم ـ في نظري ـ في تغيير سلوكيات المجتمع بصورة قوية, أن نطيل الفترة بين صلاتي المغرب والعشاء.
نعرف أن الفرق بين أذاني المغرب والعشاء يزاد في رمضان بنصف ساعة، ليتسنى للناس مزيد وقت للاجتماع وتناول العشاء.
من الممكن أن يطبق الأمر نفسه على بقية الشهور، مع زيادة الفرق من نصف ساعة إلى ساعة، وتمنع عامة المحال من العمل بعد صلاة العشاء أو بعد التاسعة ليلا، أيهما يحل قبل.
أظن أن هذا الأسلوب مرغوب فيه شرعا. فقد ثبت أنه ــ صلى الله عليه وسلم ــ كان يؤخر صلاة العشاء, وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها. وهذا هو الأصل ولا يمنع ذلك من وجود استثناءات كمسامرة الزوجة، كما ذكر ذلك أهل العلم (الشرعي). ومن المهم أن نرى قدوة للناس من علية القوم، فالناس لهم مقلدون، وبالله التوفيق.
