إن سوق المال ليضطلع بدوره ويحقق أهدافه يحتاج إلى ثلاثة أعمدة يقوم عليها، هي: البنوك، والشركات الاستثمارية، وشركات التأمين. وهذه المكونات الثلاثة يجب أن تتناغم في قوتها فالبنوك التجارية مثلاً يجب ألا تكون أقوى من شركات التأمين أو البنوك الاستثمارية وهكذا. والمقصد هنا في القوة هو قوة الفعل والتفاعل بما تملكه من ملاءة مالية وأحجام تستطيع من خلالها مواجهة متطلبات السوق في إطار مهامها. ونحو هذا الهدف ولإكمال البنية الأساسية في السوق المحلي بدأت شركات الاستثمار في مزاولة مهامها، وتم التصريح لها وتسابق عدد كبير من رجال الأعمال ومؤسسات الاستثمار للاستثمار في هذا النوع من النشاط الاقتصادي. فركز بعضهم على السمسرة حين كانت التداولات مرتفعة الأحجام والبعض على إدارة الطروحات الأولية، وقسم راح لإدارة صناديق أو محافظ شخصية أو شبه شخصية وقسم آخر ذهب إلى آليات التمويل ومساعدة الشركات على حشد المال اللازم للتشغيل أو إعادة الهيكلة بالدمج وغيره من الصيغ. وأيا كان النشاط للشركات الاستثمارية أو التركيز في أعمالها على أي من أوجه مهام شركات الاستثمار المعروفة فقد واجه بعضها صعوبات في الأعمال التي يمكن لهم القيام بها بسبب البيئة التنافسية غير المتوازنة. تاريخياً خرجت شركات استثمارية عملاقة نسبياً كونها مولودة من رحم البنوك التجارية، بينما هناك شركات جديدة خلقت كمشروع استثماري لمؤسسين، التي لن تصل لمستوى شركات الاستثمار التي تسندها بنوكها التجارية. والمقصود بالمستوى هو مرة أخرى مستوى الحجم المالي والحضور في السوق وبالتالي الفعالية. الشركات الاستثمارية التي تحت عباءة البنوك التجارية تستفيد بطرق مباشرة وغير مباشرة من بنوكها التجارية، خصوصاً أن البنوك التجارية تتكئ على البنك المركزي وترجع إليه. فمثلاً البنك التجاري يستفيد من الاقتراض من ذلك البنك المركزي، في حين أن البنك أو الشركة الاستثمارية لا تستطيع فعل ذلك. لذا فالمنافسة على العملاء وما يمكن أن تقوم به الشركات الاستثمارية هذه ستكون غير عادلة، وستكون حصتها في السوق أقل لما يمكن أن يستفاد منه كعميل حين تتعامل مع شركة استثمارية من هذه الشركات ذات المرجع “البنكي”، مقارنة بشركة استثمارية لا يسندها بنك تجاري. ولذا فقد انتهت بعض من هذه الشركات الاستثمارية إما إلى إلغاء تصاريحها أو التفكير في الاندماج أو تقليص المهام المفسوح لها مزاولتها.
إن السوق المالي لا يمكن أن يكون ذا أداء فاعل إذا تباينت الفروقات في قوة مكوناته بين هزيل جداً وسمين مفرط. لذا فالمنافسة الكاملة وترك قوى السوق هي الحكم لا تنطبق في هذه المجالات بمجرد كثرة العدد، بل إن المنافسة يجب أن تكون من منظور القوة في الإبداع والإدارة الكفؤة حين يعطى جميع اللاعبين نفس المقومات والمزايا المؤهلة لذلك.
