المؤتمر الدولي الأول للتراث العمراني في الدول الإسلامية الذي نظمته الهيئة العامة للسياحة والآثار برعاية خادم الحرمين الشريفين, يعكس حالة النضج الثقافي والاقتصادي والسياسي التي تعيشها السعودية والتوجه الرشيد نحو ضخ كثير من مفاهيم التقارب الثقافي والاجتماع الإنساني والتعايش السلمي، وهو التوجه الذي يقف من ورائه قائد الأمة الملك الصالح ورائد الحوار العالمي بين الثقافات. المؤتمر لم يكن حدثا اعتياديا بكل المقاييس, خاصة في ظل الظروف الإقليمية والدولية والأوضاع التي تعيشها الأمة الإسلامية. لقد نجح المنظمون في تحقيق حزمة من الأهداف المباشرة وغير المباشرة من أهمها طرح أفكار تسهم في رفع سقف الاهتمام بالتراث العمراني وتعزز الهوية الإسلامية في ظل المد العولمي الجارف. وهناك بعد آخر على الدرجة الكبيرة ذاتها من الأهمية, وهو تأكيد الدور السعودي الريادي في توحيد الصف الإسلامي وقيادته نحو التطوير والتكامل الثقافي الذي هو محور الوحدة الإسلامية. هناك كثير من التحديات الكبيرة التي تواجه الأمة, وهي تتطلب أفعالا كبيرة ومنهجية محددة ونظرة بعيدة المدى في التصدي لها وربما تحويلها إلى فرص إيجابية. لذا فالمؤتمر يأتي في هذا السياق كإحدى العلامات البارزة في طريق استثمار الإرث العظيم للأمة بنظرة واعية تزاوج بين الثقافة والمردود الاقتصادي لتضمن تنمية مستدامة ولتجلب الانتباه بأسلوب مهني يحقق القيمة الثقافية ويروج لها اقتصاديا. الاهتمام بالتراث العمراني في الدول الإسلامية لا يمكن اختصاره على الجانب المادي للشكل الهندسي والإبداع الجمالي، إنما - وهي الأهم - الثقافة التي صنعت هذه المباني وأسلوب التفكير في التكيف مع البيئة والتغلب على ظروفها القاسية. المؤتمر إعلان صريح لقبول التعدد الثقافي المحلي في العالم الإسلامي واعتباره سمة تتميز بها الأمة ليكون ذلك بمثابة أنموذج للعالمية (وليس العولمة) المطلوبة التي تحترم الخصوصية الثقافية لكل مجتمع وتحافظ عليها, لكن داخل إطار من القيم الأخلاقية والإنسانية التي تجمع ولا تفرق وتعدل ولا تظلم.
التراث العمراني هو المنتج الوحيد المرتبط بالمكان ليخلق ميزة تفضيلية لا يمكن محاكاتها أو تقليدها في مكان آخر. إنها النكهة الثقافية التي تزخر بعبق التاريخ وما يكتنفه من أحداث وشخوص وتقاليد لا مثيل لها، من أجل ذلك فهو سر التميز والعنصر الأقوى في معادلة التنافس العالمي. لقد أقدم كثير من المدن على إبراز تميزها التراثي لتكون علامة فارقة تجتذب إليها السياح, أو ما يعرف بـ City Branding. الإحساس بالمكان بما يحمله من تميز في الهوية والانتماء والإمكانات هي منطلقات النجاح في التنمية الحضرية المحلية. ولذا لم يكن مستغربا أن تكون السياحة التراثية أحد القطاعات الاقتصادية الأكثر نموا في الإنتاج وتوفير الوظائف لأنها تقدم خدمات ومنتجات فريدة من نوعها، فكما يقرر الفيلسوف الإيطالي برونو Bruno أنه «عندما لا يكون هناك اختلاف لا يكون هناك تميز في الجودة». كما أن التراث العمراني يمنح بعدا جديدا للتنمية المستدامة، ومعنى أوسع وأشمل يتعدى الحفاظ على الموارد الأولية إلى الاستدامة الوظيفية تشمل: استدامة البيئة العمرانية واستدامة ثقافية للتقاليد والأعراف. وإذا كان معظم الأنشطة والجهود في تنمية التراث العمراني تحدث في المحليات، استوجب أن تكون كل مدينة مسؤولة عن صياغة مستقبلها الاقتصادي وتشكيل واقعها العمراني من خلال تداخل جميع مكونات المجتمع المحلي وعدم اقتصار ذلك على الأجهزة الحكومية المحلية. وهنا يجب التأكيد على حقيقتين: الأولى، أن دور المدن في التنمية الاقتصادية ربما تحول من أولوية الإسهام في التنمية الوطنية إلى أولوية التنمية الحضرية وتمكنها من المنافسة عالميا. الحقيقة الثانية، يتطلب أن تكون المدن أكثر نضجا وقدرة على صنع القرارات المحلية بذاتها، لكن كيف السبيل إلى ذلك والمدن لا تملك صلاحيات صنع القرار المحلي؟ أهمية السياحة التراثية يوضحها التقرير المعد من قبل منظمة التراث الإنجليزية Heritage Lottery Fund وإيراد بعض الإحصاءات المذهلة. التقرير على سبيل المثال يشير إلى أن السياحة التراثية في بريطانيا تسهم بـ 12 مليار جنيه سنويا للاقتصاد الوطني وتلعب دورا كبيرا في تخطي الأزمة المالية، وأن أربعة من بين كل عشرة سياح من العشرة ملايين سائح الذين يأتون لبريطانيا سنويا جاءوا بدافع السياحة التراثية، ويمضي التقرير ليؤكد المردود العالي للاستثمار الحكومي حيث يجني البريطانيون 4.2 مليون جنيه في مقابل كل مليون جنيه ينفقونه على تطوير السياحة التراثية.
ومع أهمية الاستثمار الحكومي في مشاريع التراث العمراني إلا أن هناك عدة تساؤلات من أهمها: كيف يمكن تبرير الإنفاق الحكومي في تطوير التراث العمراني مع صعوبة وضع قيمة نقدية على المنافع المتوخاة؟ وكيف يمكن إقناع القطاع الخاص بالدخول في استثمارات تطوير التراث العمراني؟ هذا يمكن حسابه من طريقين: الأول من خلال العوائد التي يجنيها القطاع الخاص من تطوير الدولة للتراث العمراني، على سبيل المثال تزايد أعداد السياح وزيادة الطلب على العقار وارتفاع قيمته في المنطقة التراثية وما جاورها. والآخر يتعلق بالمنفعة العامة, أي القيمة التي يضعها المجتمع على التراث العمراني, وهذا يتحدد من قبل المجالس المحلية، وفي هذه الحال ينطبق على التراث العمراني سمات الخدمات العامة التي تتصف بأنها استهلاك غير تنافسي لا يمكن تجزئتها, وبالتالي لا يمكن وضع سعر عليها، وأنه لا يمكن حصرها على فئة دون أخرى, فهي مشاعة تطول منافعها الجميع ، ولذا كان لزاما أن يكون التمويل تمويلا عاما (حكوميا) تتبعه بعد ذلك المشاريع المساندة من القطاع الخاص. حساب قيمة التراث العمراني من وجهة نظر المجتمع يكون بناء على قيمة الاستخدام وليس قيمة التبادل السوقي التي لا تعكس بالضرورة القيمة الحقيقية. فالأسعار في السوق لا تعكس بالضرورة القيمة الحقيقية أو ربما لم نتمكن من وضع سعر على المنتج التراثي، إلا أن هذا لا يلغي وجود القيمة في ذاته, وإلا كيف نفسر أن ثمن الماء, الذي هو عنصر مهم للحياة أقل من ثمن الألماس؟ هذا لأننا نخلط بين المنفعة الكلية والمنفعة الحدية, فالمنفعة الحدية للتراث العمراني أقل مقارنة بالمنفعة الحدية لمنتجات وخدمات أخرى، لكن منفعته الكلية بكل تأكيد تحمل أهمية قصوى.
المؤتمر حرك المياه الراكدة بمنهجيته العملية التطبيقية, فلم يكن الأمر احتفاليا تسلط عليه الأضواء من أجل الاستهلاك الإعلامي, إنما عمل مهني عالي الجودة وحرص شديد على أن يسهم المؤتمر ونقاشاته في إعادة تثقيف المجتمع ووضع التراث العمراني كأولوية وطنية. فعاليات المؤتمر لم تقتصر على العاصمة الرياض (مكان انعقاد جلساته الرئيسة) وإنما سرت في كل مناطق السعودية وعلى جميع الصعد. لقد أصبح الجميع يتحدث عن التراث العمراني وأهميته الثقافية والاقتصادية ليتحقق هدف المؤتمر في نشر ثقافة التراث العمراني. السر وراء هذا النجاح الباهر هو قيادي فذ نذر نفسه للعمل العام والتصدي للقضايا ذات الأولوية الوطنية الأكثر تحديا والأكثر تعقيدا, لم يستهوه بريق النجاحات السريعة الصغيرة والإنجازات الصورية الشكلية ومضى يبحث عن الأفضل والأجدر في تحقيق مصالح الوطن العليا, التي ربما لا يرى البعض أهميتها إلا بعد حين .. إنه أمير بما تحمل الكلمة من معنى .. إنه سلطان بن سلمان.
