لم يبق أحد لم تحدثه نفسه بأخطار الوحدة النقدية الخليجية بعد أزمة اليورو وتبعاتها على الاقتصاد الأوروبي والعالمي, فالكل في حوار وهمس حول سلامة الطريق وعوامل الأمان ومدى السيطرة على الأخطار, حتى صرح أحد المسؤولين في إحدى الدول الأعضاء بأن القادة يرغبون في التمهل قبل إتمام الوحدة النقدية على الأقل حتى ينكشف الستار عن عمق أزمة اليورو وإمكانية تعافيه من تعثر أحد أعضائه غير الفاعلين في مسيرته الإيجابية, حيث كشفت هذه الأزمة عن حجم تأثير الاقتصادات الصغيرة في مسيرة الوحدة النقدية الأوروبية التي بهرت العالم في عقد من الزمان, وكانت مثار إعجاب القادة, واعتبر أنها هدف ليس من العسير محاكاته متى توافرت الإرادة.
واليوم التخوف يغلب على الاندفاع, حيث اليورو شاهد ناطق على طبيعة الوحدة النقدية وما تؤدي إليه من وضع كل البيض في سلة واحدة. والذي هو محل تخوف شديد أن يكون ما سعى إليه العالم من تكتلات اقتصادية وتحرير التجارة وإزالة الحواجز الجمركية لم يكن في محله لأنه حاول تجاوز الواقع بآمال وأحلام تفوق الخيال, فالمجتمع الدولي مكون من دول لا تفصل بينها الحدود السياسية فقط, بل هناك حواجز غير مرئية, ومهما تجاوزناها فإننا لا نستطيع أن نصهر الدول في وعاء واحد وتحت قبة واحدة, لأن التعاون الاقتصادي والتجاري شيء يختلف عن الوحدة التي تنسجها الطموحات, ويكشف الأزمات عن مضامينها بالغة الخطورة على أولئك المبحرين في سفينة واحدة.
ومما لا شك فيه أن تداعيات أزمة اليورو تجاوزت بثقلها كل متاعب أوروبا منذ الحربين العالميتين, وهي تمس الهياكل الاقتصادية التي هي عماد المجتمعات الصناعية والتجارية, والأخطر من ذلك أنها أزمة جاءت في وقت غير ملائم, فالتنافس على أشده بين صانعين قدماء وصانعين جدد اقتحموا السوق العالمية المفتوحة بكل قوة ليحققوا مكاسبهم في ظل صمود الخصم الذي بدأ ينهار ليفسح لهم المجال, بل كامل الطريق ليكتسحوا ما بقي من مناطق خارج سيطرتهم ونفوذهم.
ولأن المنافسين الجدد يستطيعون العيش بأقل التكاليف والصمود بأقوى التكتلات البشرية, فإنهم في ظل أزمة اليورو وتبعاتها, مرشحون للتقدم إلى الأمام بخطوات لم تكن في حساباتهم وتحقيق فروق كبيرة ستكون عامل تسريع في إعادة تنظيم المركزية العالمية, وهو هدف لم تسع إليه الدول الآسيوية الكبرى, لكنها وجدت نفسها تسير في اتجاهه دون أن تضعه في اعتبارها, بينما يراه الآخر اختطافا لمركز الصدارة وعملية إحلال واستبدال ترضاها أطراف كثيرة وتنتظر نتائجها الإيجابية.
إن إعادة التوازن إلى الاقتصاد العالمي فكرة طرحتها الإدارة الأمريكية على منافستها الصين, بل دعت إلى التعاون في ميدان التجارة, خصوصا في سعر صرف اليوان, الذي يحافظ على انخفاضه ليسمح بمرور الصادرات الصينية إلى كل مكان في العالم, كما أن تطوير المنتجات أصبح من أساسيات الإنتاج, حيث الجودة نقطة ضعف, ومع ذلك فإن هناك تركيزا على تحسين الجودة من أجل منافسة أفضل.
لقد غيرت الأزمات الاقتصادية والمالية خريطة العالم, وهي اليوم توشك أن توقف برامج ومشاريع كانت بالأمس على أبواب التنفيذ, وربما يأتي يوم يتوقف فيه قطار تحرير التجارة, ليس بسبب نفاد الوقود, لكن بسبب تغير وجهة المسافرين فيه, وكما أن من المسافرين من يود التوقف, فقد يكون منهم من يرغب في العودة إلى الوراء وهو يلوم المصممين الذين صاغوا نظريات من الخيال لم تلامس الواقع إلا قليلا حتى عادت لتحلق بعيدا لتترك لكل دولة طريقتها في تدبير اقتصادها والسيطرة على شؤونها المالية والتجارية وترتيب علاقاتها في الأسواق ومواجهة مسؤولياتها دون خوف من أخطاء الآخرين أو انتظار جني أرباح منجزاتهم.
